الجمعة، 19 يونيو، 2009

الصورة ومعنى الدعسة


لم تغادر الذاكرة التاريخية ابداً تلك الصورة المفزعة ، ذات الاسنان النابزة من فم جورج بوش الاب ، وهي تتلكأ على تكوين لوحة الفسيساء الملونة ، وتحت جميع الأقدام التي تعبر إلى فندق الرشيد في بغداد ، ولم تغادر الذاكرة التاريخية ايضاً صورة السيدة المبدعة العروبية الماجدة ( ليلي العطار ) تلك الفنانة التشكيلية التي غرزت ملامح بوش الأول بحبيبات الفسيفساء بيديها وصرخت بالعالم أجمع أن هذا المجرم ( مجرم الحرب وقاتل الشعوب وعراب مجزرة حي العامرية ضد الأطفال والأمهات ،هو الاب الروحي الأول والجسدي الدامي للإجرام وأنه يستحق السحق بالأقدام والدوس على وجهه الضاحك على حرق الاطفال وهم احياء في العامرية !
لقد توغلت الصورة تلك في ذاكرة الأمم ودخلت عصر الصورة ، لكنها لم تدخل عصر الصورة الرقمية كما دخلت صورة الحذاء الموجه لوجه الرئيس بوش الثاني ، ولم تدخل صورة المداس بوش الأول رغم آلاف الأحذية التي داستها وأعادت الدوس عليها والتقطت الصور وهي تحف أكعاب الأحذية فوقها ، لدرجة أن بعض قوات التحالف التي كانت تقيم في فندق الرشيد لم تكن لتتورع عن المرور فوقها عمداً ، وكنت أرى تلك القوات بأحذيتها الدائسة ، هي الاكثر إعلاماً للعالم بأنها تعرف حجم المجرم الحقيقي المستحق للدعس بالاحذية !ولكن دون انتشار فضائي ورقمي يعلن عن حجمها كما هو اليوم .
واذكر أننا كنا نلتقط الصور بالكاميرات الكلاسيكية حيث لم تكن قد تطورت الصورة الرقمية الديجيتال كما هي الآن في بداية تسعينيات القرن البائد ، وكان الكثير من أفراد قوات التحالف يمثلون حالة الحرج من المرور فوق اللوحة ، لكنهم كانوا يعيدون المرور ويقفون لالتقاط الصور فوقها ، واراهن أن آلاف الجنود من التحالف لديهم الآن ألبومات من الصور يدوسون بها على وجه بوش الاول ، أما الأمريكان من الضباط والجنود وقوات التفتيش الدولية الذين كانوا يحلون ويقيمون في الرشيد فكانوا على استحياء يحيدون عن اللوحة ( الوجه المداس ) يبلغون البنتاغون بانهم لا يملكون سوى التنحي جانباً عن اللوحة ذات الوجه الشيطاني المجرم ، لكنهم في الواقع كانوا يستمرون في الدوس وهم بالتأكيد جاءوا كعباد مأمورين لبغداد رغم أنوفهم وسعادة قادتهم المجرمين القتلة لاطفال العامرية !
وبعد أن وجه بوش المجرم الاول صاروخه ضد منزل التشكيلية الشهيدة ليلى العطار ، واستشهدت هي وزوجها وابنتها في الفجر ، وانتقم منها بوش الأول وأزيحت اللوحة لدى دخول الأمريكان بغداد واحتلالها وتدمير تراثها ومتحفها وحرق كنوزها ، كان اول قطع هو لرأس بوش على الأرض وتركت اللوحة بكتفيها، وصدرها لا ينبض إلا بالإجرام المورث لولده المجرم الوريث !
ومع الاسف ظلت الصورة عند مراسلي القنوات العربية والغربية المتعاونة مع القتلة ، ومن خلال الفضائيات العربية وغيرها ، تركز وتمعن في البث لصور قصور صدام وأشيائه العتيقة وسياراته وخيوله بهدف إقناع العالم بأنه يهدد الدنيا قاطبة بالدمار الشامل ، ولم تكن تلك الفضائيات العربية وغيرها تركز على الجرائم والدمار والأطفال الضحايا والتعليم والعلوم حيث الدمار والحصار والحبس الجوي عن العراق ، وتطورت الصورة التي خلفها بوش الأول إلى حالة ( هولوكست مكتمل الأوصاف ) وظلت في العراق مخفية ولم تظهر للعلن والفضاء سوى نزر يسير من العذاب العراقي والهولوكست الحقيقي ، وبقيت الصورة انتقائية تبث بعض أفعال وبيوت ولوحات ثمينة وقصور ومركبات فاخرة ، واستمرت الصورة المبثوثة متحيزة في عيون وفضائيات الغرب والعرب دون شك ، وظل نطقها ضعيفا رغماً عن ثورة الفضائيات التي احتلت نهم العالم ، وكان الأحرى بالفضائيات العربية أو بعضها على الأقل استثمار الصورة لدحض الكذب الأمريكي ضد العراق وقيادته، وبث المشاهد المدمجة مع التعبير والكلمة الصادقة والصورة الحقيقية ولحشد تعاطف الدنيا ضد الشيطان المجرم ، بدل الابتسامات والتمتع بمشاهدة كل أنواع التدمير والقتل والحرق تحت ظل وشعار ( تدمير أسلحة الدمار الشامل وتدمير الدكتاتور صدام ) !
وهكذا سيطرت الصورة المنتقاة المتحيزة والكلمة المنتقاة والتعبير الكاذب على أدمغة العالم حتى العرب في أصقاع الأرض ، كانوا ينتظرون سحق صدام وحرق العراق الخطر ، مما رفع من إنزيمات الكذب عند رامسفيلد ودفعه للتصريح بأن شرح عن حجم الطائرات الصغير، التي ينوي صدام بثها فوق العالم وهي بحجم قبضة اليد لترش البيولوجي والكيميائي على العالم بأسره وتبيد الحياة الكريمة للبشرية !
لقد لعب الإعلام بالصورة والتعبير اللغوي الأنيق ، والمستخدم للفم واللسان والعقل الموجه والميكروفون المصطنع ، دوراً في تعبيد طريق الدمار للعراق والتقتيل الذي أضحى حلالاً بدعم من الفضائيات والإعلام طبعاً ، ، ولم يتصد احد للأكاذيب والافتراءات والجرائم أبدا ، ولم ينتصر العالم للشعب الأسير المعذب والمحاصر ، بل تشكلت حالة عالمية من التسلي والمتعة بالصورة المبثوثة من بغداد العذاب وعراق الدم على أيدي الأمريكان وهم يرتكبون أبشع أصناف الجرائم ! نعم ركزت الصورة والرسالة الإعلامية في أغلبها إلا ما ندر وما رحم ربي من أمثال طارق أيوب ، على بضاعة إعلامية رائجة يلوكها أغلب الصحفيين والإعلاميين في العالم ، أما الشرفاء فلم يكن لهم سوى التهم والنبذ من الكثير من أصحاب الأقلام المحابية للمجرمين لقاء حفنات الرضا الزائلة ، وتحول الإعلام إلى ببغاء موحدة النطق واللسان ضد العراق ، مفادها ( أن الديكتاتور صدام سوف يرحل إلى غير رجعة ) وان العالم سوف يلتهم أو يرتشف أكواب السمن والعسل من جرار الأمريكان الفارغة ، أو بالأحرى الفائضة بدم الأبرياء والبشر العزل المسالمين!
ولم تكن البضاعة العربية في الصورة والرسالة الإعلامية بأقل تحيزاً للأمريكان الأحباب الذين جاءوا لتدمير وحرق العراق متمتعين بطلاسم الصورة التي حملها الإعلام عنهم كمحررين للعراق السجين .
واستمرأ( بوش المجرم الوريث ) الثاني لعبة الصورة والرسالة التي أسهم الإعلام ببثها لصالحه ، وقفز مراراً وتكراراً وهو يستقبل حك الصورة الإعلامية لظهره على جرب الجريمة ، أن العالم سوف يكون أفضل بدون صدام ،
وهكذا لعب إعلام الصورة والكلمة على ألسنة وكاميرات الفضائيات العالمية دور الأصم الأبكم عن الحق ، والمبدع بالتضليل وبث الباطل المتحيز للبطولات التحريرية الأمريكية بغض النظر عن الدم والدمار والعذاب ضد العراق وشعبه العظيم .وكأن القربان العراقي هو خروف لأعياد البوشة وأسرهم وخرفهم المستشيط وجنونهم اللا محدود!
ومن هنا ، ومن خلال استعمال الابتسامة الرائقة على الدم والجرم في العراق ، نتساءل أين كان دور الصورة الأنيقة التي تحمل باليد النظيفة وتوضع على الشفاه حين عملت على تجميل جرائم المجرمين ، وتحليلها ضد الشعب العراقي وقائده ؟؟ وهل حل الحذاء الإعلامي محل الميكروفون والتعبير عن الصحافة الشريفة المعبرة ؟ حيث لم تجد أذناً صاغية تفهم لغتها ؟ .
وهل التعبير الإعلامي ذاك ، ظل خائناً للألسنة ، حيث الكاميرات تلك اعتادت الروتين المفرط بالنقل الإعلامي الكاذب والمسموع برتابة ، ولم يثبت انه خدم الحناجر المبحوحة بالبكاء ، فجاء التعبير الأكثر نطقاً وتوصيلا للعذاب الأسطوري بلطم المجرم بحذاء ؟؟، وخاصة بعد فشل تجربة أدوات التعبير المباحة فقط للكذب والتحيز؟ ، وهل تم اكتشاف ميكروفون إعلامي جديد غير منحط اسمه الحذاء الإعلامي المرئي والمنطوق والمسموع ؟ وهل يولى عهد التأنق اللغوي المحمل بالدجل والكذب والمبارك للجرم ، حيث جاء الحذاء صارخاً بالحقيقة التي استقطبت أبصار وأسماع العالم دون غيرها من أدوات إعلامية ؟ وهل سعادة العالم بصفعة بوش الوريث للجريمة ، ستسهم في إسعاد العراقيين باستعادة الإعلامي المبتكر والمجدد لفضائية الصدق ؟ فهو قد ساعد الدنيا بأسرها للاعتراف بالجريمة ، وشفع للعالم الذي يتناقل حذاءه الصادق خلال اعترافه أن الكذاب قد اجمع عليه العالم بأن وجهه كوجه أبيه استحق التعبير السفلي ؟
وهل كانت الشهيدة ليلى العطار التي رصعت وجه مجرم العامرية تحت الأقدام أمام الرشيد قد تأكدت من خيبة العالم في فهم الحقيقة ؟ وهي التي لم تعايش فضائيات العرب ولم تعرف كم عددها القادم وكم حجم افتراءاتها ضد العراق ؟ فقد اغتالها بوش الاب ونام ليلته هانئاً على كومة الدم ، وأغفى يحلم بدماء غزيرة دون أن يرف له جفن محروق !
لقد كانت الشهيدة ليلى العطار مبتكرة مجددة أيضا في فهم أدوات التعبير الراقية والأدبية والفنية العلوية ، وكانت فنانة كبيرة رائعة الأعمال في العراق وغيرها ، وكانت حضارية وأديبة جميلة العينين واللسان الفصيح ، لكنها وفي لحظة كفر بالخطاب الواصل ، رصعت الوجه المجرم تحت الأحذية ،وداسه جنوده وقوات التفتيش والضباط الأمريكان رغماً عن أنوفهم خلال دخولهم لفندق الرشيد ، لكن ما يجري الآن من تصويب بالأحذية على رأس البوش الثاني هو بمثابة موافقة تامة وليس رغماً عن أنوف الأمريكان ، الذين بلغ عدد الصافعين لوجه ورأس بوش الثاني بالأحذية عشرات الملايين في الولايات المتحدة وحدها ، وعشرات الملايين في أوروبا !
فلقد جعلت ليلى العطار من وجه بوش المجرم مداساً للأمريكان وقوات التحالف والتفتيش طوعاً وكرهاً ورغماً ، وذاك كان أيام الكاميرا اليدوية ولم يرصد عهد الديجيتال رغبة الكثيرين بالدوس عليه ، فجاء عصر منتظر الزيدي في استخدام الحذاء لدعم عصر الديجيتال وليسهم في الرصد الدقيق ، وليوضح كم من الأمريكان يصفعون وجه الاب والابن بصورة مرئية ومرصودة دون خوف أو وجل من صاروخ أودى بحياة ليلى العطار انتقاماً .
إن ما فعله منتظر الزيدي بتقديم وجه البوش الثاني لعبة للطم بالأحذية على يد الاميركان انفسهم قد جمع ادوات الرسم والتكوين والتعبير مع حبيبات الفسيفساء امام العالم ليستذكر ليلى العطارايضا ، ومزج منتظر الزيدي قدرة الإعلام والصحافة على الانسجام مع التشكيل والفن والسياسة حيث التوحد ضد طغمة الظلم وهذا هو الصحيح دون اختصار للون عن الآخر !! مما اثبت أن جميع شرائح البشرية في العالم قد تتوق إلى المزيد من ألوان الصفع الموحد على وجوه المجرمين الذين سيعلقهم التاريخ على مشنقة رباط حذاء يليق بأعناقهم المثخنة بالأحذية .
إذن الفرق ليس شاسعاً جداً بين الديجيتال والكلاسيكي في ادوات التعبير عن الظلم حيث اتفق الديجيتال مع الكلاسيكي ( اتفاق الحذاء مع الكاميرات التي صورت الفيلم المتحرك ) منتصرة للقديم الجديد ، فالعالم بات مبصراً ومتحركاً في المشاعر ، والديجيتال والكلاسيكي يقفان اليوم ضد الظلم وضد الطغمة المجرمة مهما قيل أن الفسيفساء ستنسى تحت عمليات إزالة وجه بوش الأب من مدخل الأحذية في الرشيد فالصورة التي كانت في كاميرات يدوية وكلاسيكية تطبع على ورق وتدخل الادراج ، باتت في كل بيت وفي كل بصر وعقل ، وتذكر العالم الذي ظل محفوفاً بالخديعة الإعلامية ! بانه لا بد من استخدام الصورة السفلية في عالم الكلاسيك والديجيتال معاً للإيقاع بالوجه الكريه وصفعه .
. لقد ظهرت مسألة ثقافية مختصرة : أهمها هل دخل التعبير الموجه بالأداة السفلية للتعبير بيت السمع والانتباه ؟ وهل غادر الميكروفون الكاذب والموجه بيت الطاعة الإعلامية منذ تطاير الحذاء في الفضاء الإعلامي ؟؟ وهل حقاً رغم كل توافق الكرة الأرضية على روعة فضاء الحذاء بوجه المجرم الثاني بوش ، تظل أخلاق الحذاء أقل مرتبة من الميكروفون الموجه الذي اعتاد إرسال الرسائل الخاطئة ؟؟

وهل رغماً عن إجماع العالم على تجريم بوش الثاني والاول والصفع اللاذع بالحذاء سيعيد المجرم بوش الثاني أحلامه بقصف بيت منتظر الزيدي بصاروخ انتقاماً من الحذاء ؟ كثيرون يقولون أن زمن البوشية قد ولى تحت الأحذية ولا مفر من دعسهم المستمر إلى الابد !!!!
د. عائشة الخواجا الرازم

المرأة ومشاكلها الوجودية , لدى التشكيليات العراقيات


ان إفراد جزء خاص من هذا الموضوع , مخصص للفنانة العراقية , والتي لعبت دورا كبيرا في تطوّر الفن التشكيلي العراقي كما سنرى فيما سيأتي , لاينطوي على تعريف آخر للفن التشكيلي أو تقسيمه الى فن رجولي وفن انثوي الا اذا طرح نفسه ضمن هذا السياق , أي باعتباره فنا يهتم بما يشغل الفنانة نفسها باعتبارها امرأة لها أولوياتها وطرقها الخاصة في طرح مشاكلها الوجودية ورؤيتها و كما سنلاحظه في الفصل الموسع عن الفنانة الراحلة ( ليلى العطار ) . عدا ذلك فان الامر يتعلق بمستلزمات التبويب التي لا غنى لنا عنها.على ان هذا لايلغي حقيقة مهمة هي : ان المنجزات الفنية للفنانة العراقية كانت على الاغلب تحمل بصمات واهتمامات انثوية , سواء في الموضوع أو في الاسلوب أو في كليهما معا , اما ما اقصده بالاسلوب فهو باختصار اللمسة النسائية التي تسم أعمال المرأة الفنانة والتي تسم اغلب اعمال النساء الفنانات والتي تشعرك بان المرأة موجودة حتى وان كان موضوع اللوحة غير ذي علاقة بالمرأة . ان الامر يشبه انك تدخل بيتا فلا ترى فيه امرأة ولكنك تستنشق عطرا ضوّاعا , وتجد زهورا وُضعت توا على مائدة الافطار , وتجد ان نوافذ التهوية مشرعة فُتحت للتو ,. فتقول : المرأة كانت هنا ! .والاعتراض الذي قد يثار قد ينصب على الجانب التالي : ان الفنان الرجل هو الآخر قد تناول موضوع المرأة . فلقد كانت المرأة الموضوعَ الأثيرَ لدى العشرات من الفنانين التشكيلين , فالمرأة كانت على سبيل المثال لا الحصر , الشغل الشاغل لبيكاسو . غير ان من الواضح ان تناول بيكاسو لموضوع المرأة لم يكن باي حال من الاحوال يتماشى مع رؤية المرأة لنفسها , او طريقتها لادراك ذاتها . يتناول بيكاسو المرأة في لوحاته كلعبة جمّلت حياته , وهي لم تلعب في حياته الواقعية اكثر من هذا الدور. يقول بيكاسو : " ان المرأة اما ان تكون ملاكا , او ان تكون ممسحة " . هذه العبارة هي التعبير الامثل عن استهتاره , حيث مثلت النسوة في حياته الحالتين معا , وتعامل مع نساء حياته الكثيرات من هذا المنطلق . لقد استبدل بيكاسو النساء كما تُستبدل القمصان .( انظر " حياتي مع بيكاسو" لفرانسسواز جيلو )ولكن هذه الصورة التي يعطينا إياها بيكاسو ستكون لوحدها غير مكتملة لتحديد موقف الفنان ( الرجل ) من المرأة . فـالرسام النمساوي ( كلمت ) سما بالمرأة الى مستوى تشكيلي رفيع وزينها واعطاها تكوينا فريدا يعكس عشقا منقطع النظير , ولكنه في الوقت نفسه حولها الى ديكور زخرفي . وكانت لوحة ( هويسلر ) الشهيرة " المرأة البيضاء" التي صوّر فيها حبيبته ذات الشعر الاحمر بردائها الابيض المتألق , مثالا للنقاء والرقة , وعكست لوحات( مونغ) الخوف منها والفشل في إقامة علاقة طبيعية معها , وتناول فان كوخ موضوع المرأة بحيادية , بالرغم من ان حياته كانت مثالا للاخفاق في العلاقة معها , وكان رفض (كاي) لحبه احد اسباب تكريس نفسه للفن فيما بعد , (اما موقف الفنان العراقي من هذا الموضوع ممثلا بفاروق حسن وفنانين آخرين فقد تناولناه في الجزء الثالث من هذه الدراسة).وعلى الرغم من اختلاف التناول الا ان الحقيقة تبقى : أن الفنان ( الرجل ) تناول المرأة , سواء سلبا أو إيجابا , باعتبارها مكملا لا غني عنه لحياته أما مشاكلها الوجودية فلم تكن همه الشاغل , فان الرفعة الذين صوّر بها الفنانون المرأة مثل عمل ( هويسلر ) الرائع آنف الذكر, "المرأة البيضاء" قد كانت مرتبطة لديهم بالوله والحب , ما ان ينتهي الحب , حتى ينتهي الاهتمام بالمرأة ككائن . كانت المرأة موجودة في فن الفنان الرجل كموضوع أو كدافع غير معلن للابداع . فما هو اذن موقع الرجل في فن المرأة الفنانة ؟ هذا السؤال تصعب الاجابة عليه بصورة محددة , فاذا كان من المنطقي القول ان الرجل موجود بالضرور في فن المرأة , وهو استنتاج منطقي اكثر مما هو اجابة ملموسة , فان السؤال المترتب : ما هي الصورة التي عليها الرجل في فن المرأة باعتباره عنصرا خفيا ؟ وكيف يصار الى تناول صورة الرجل والذي هو الجلاد والسجان وهوالحبيب في نفس الوقت ؟. كان الرجل موجودا كحارس لـ ( التابوات ) في وعي المرأة ولاوعيها . ان قرونا متعاقبة من الهيمنة الذكورية قد كرست نفسها بأكثر اشكالها بشاعة : تبني المرأة احيانا للقيم الذكورية باعتبارها حقائق نهائية وبديهية . وكان الابداع هو المنتَج الاكثر شفافية لما يختفي وراءه . لقد كان يَشي ( وما يني يفعل) بكل محاولات التمويه أو محاولات نكران غير المصرح به .وبالرغم من ان الفنانة الراحلة ليلى العطار لم تنتج الكثير , ربما بسبب انشغالها في الغالب بمهمات ادارية , كان آخرها المدير العام لدائرة الفنون , وهي مهمة ليست بالسهلة ابدا , خصوصا في هذين العقدين موضع البحث , واللذين كانا زاخرين بالنشاطات الفنية بمختلف اشكالها , وبالاحداث الدرامية بكل بشاعاتها. الا ان هذه اللوحة المرفقة مع هذه الدراسة كانت كافية كاساس للبحث في اسلوبها وعن همها الشاغل وربما حزنها الدفين. ودلالات هذه اللوحة فائقة التعبير تتجاوز الهم الذاتي أو الشخصي للفنانة , ممارسة دورا اكثر عمومية من مجرد شكوى ذاتية أو مونولوج , لتطرح هما اكثر عمومية : انه الهم الوجودي للمرأة ككل , كجنس . ازمة الانسان المعاصر في لوحات ليلى العطار تندمج شخوص ( ليلى العطار) , وهن في الغالب نساء منفردات يحتللن مركز اللوحة , في الطبيعة البدائية ,حاملاتٍ الوان هذه الطبيعة , لاينفصلن عنها الا بخط رهيف : انه الحلم بالاندماج بعالم مصنوع وفق الرغبة ومغادرة الواقع الممزِق المرهق , .. مغادرة الاحكام والقواعد ,.. الضجيج والفوضى , نفايات العصر برمتها و الاختلاء بالطبيعة البكر , انها الطبيعة بمعنى الانفراد مع الذات ومع الخارج والاستقرار في الحلم , لا يمكن الحديث عن سد أو تقليص فجوة الذات مع الواقع بالقدر هذا , فالرحلة الى عالم البدائية تبقى ذات رومانسية آسرة ,..حينذاك كانت الحرية المطلقة هي السمة المهيمنة , لاقيود ولامحرمات , حينذاك حيث كان الانسان قد انفصل عن الطبيعة بالكاد . الحلم هنا هو التخلص المؤقت , العابر من عالم التناقضات والاحكام والقيود والممنوعات , واللوحة في هذا السياق هي محاولة تخليد الحلم , اعطائه ديمومة , تحويل اللحظة الى أبدية. يطوق المرأة الماثلة في مركز اللوحة خط خارجي ( contour ) , هو من الرهافة بحيث يفي بالكاد بغرض فصلها عن المحيط , هذا الفصل الذي يبدو كما لو ان الفنانة مجبرة عليه لكي تعطي لنساءها كينونه ووجودا , وهي كينونة ليست مستقلة تماما وصلبة تماما بل ذائبة في المحيط البدائي الذي يذكر المرء بفجر البشرية , المعادل الحلمي للواقع القاسي الذي لايستجيب , كما الحلم , للرغبة . هذا الذي يعطي فسحة الهروب من الاستلاب اليومي , ويرحل بنا , خلاف المنطق القاسي للواقع , في الزمان والمكان متى ما وحيثما شئنا . ففي الحلم بأمكاننا ان نجعل الاشياء شيئا واحدا وفيه يمكننا التخلص من المستحيل وفيه ننفس عن اخفاقاتنا في الواقع وبه ننال ما استعصى علينا.ما يجمع ( ليلى العطار ) و( سعدي عباس ) هو شخص أو مجموعة أشخاص في مركز اللوحة ( انهم , لدى سعدي عباس , رجل واحد أو مجموعة رجال) . فالشخوصية وأزمة الانسان المعاصر هو ما يجمع بين ليلى العطار وسعدي عباس , وهو, في الوقت نفسه, الشئ الذي يفرق بينهما سواء في الطرح او في الحل . شخوص سعدي عباس ممزقة قد تشققت من ذاتها كما تتشقق ارضٌ جفت توا , انها مشققة بقسوة ارضية , وبواسطة خطوط مائلة تزحف قطاعاتٌ منها في هذا الاتجاه او ذاك تشبه تشققات الطبقات الصخرية المائلة بتأثير الاف السنين من التعاقب اللانهائي للمناخات المتغايرة رامزة الى ازلية ازمة الانسان , ولكنها مع ذلك متماسكة وصلبة, وليست كما هي علية شخوص ليلى العطار أثيرية ذائبة في المحيط او تكاد.يحل بيكاسو أزمة الانسان المعاصر مع ذاته ومع محيطه بطريقة اقتحامية , انه يحطم العالم الخارجي ويكتسح المشاهد متلذذا بالصدمه الناشئة عن ذلك كما يتلذذ الطفل بتحطيم لعبه , ويجد حريته القصوى في صنع عوالمه من الحطام الناتج ,انه يؤسس عمله على الدهشة التي لاتترك متسعا من الوقت للتفكير, قاذفا في أتون العمل دفعات من التجديد الكاسح كتعبير عن طاقة لا تستنفذ من البحث والتجديد. عالج ســعدي عـباس انساننا المعاصر بواقعه طارحا ازمته سكونيا كحالة قائمة عديمة الافقفالتمزق الذي يطـــال شــــخوصه هو نفس التمزق الذي يطال الافق , بذا يدمح الفنان تمزقات الانسان المعاصر مع تمزقات محـيطه , أنــها الآلة المهيمنة للمعاصرة , ماكنتها الجهنمية التي تطبع كل شئ بطابعها حيث تذوب الفردية التي لم تعد سوى حلم في ايقاع العصر الجارف. ليس الواقع بقادر على توفير أي مهرب من ايقاع العصر بضجته الرهيبة ولكن الفن قادر على ذلك . عالجت ليلى العطار الازمة بالهروب الى واقع مصنوع مفترض وليس قائما , ففي الوقت الذي يعرض علينا سعدي عباس رحلة الذهاب تناولت هي رحلة العودة في الزمان والمكان , الى طفولة العالم , انها هروبية ( escapist ) وجدت ملجأها في العالم البدائي لبطلتها , فأصابع بطلتها تكاد تتبرعم مع الاشجار المحيطة. هنا نرصد عودة الفنانة عبر بطلتها الى الزمن الغابر منكفئة بدون دوران آلة( اج. جي. ويلز)... فتحت اشعة شمس فجر البداية البشرية ذات اللون الشاحب تقف بطلة الفنانة طارحة على المتلقي اشجارها الجافة جفاف الحياة المعاصرة امام الخصب الانثوي الخالد العائد الينا من الدهور الغابرة .حين تأخذ ليلى العطار بيد بطلة لوحتها مقترحة عليها عالما مثاليا من صنعها هي , إنما بذلك تقترح على نفسها عالما بديلا , هشا وهميا غير ملموس ولكنه مستوفٍ لشروطها المغيبة أو المسلوبة , فانها في نفس الوقت لاتجرؤ أن تلج الى هذا العالم , انها تقف عند تخومه , .. هذه هي حدود الحلم ,.. ان بوسعنا ان نصدق حدا معينا من المقترحات التي نطرحها على انفسنا , فبطلة اللوحة لدى ليلى العطار أولت لنا ظهرها ناظرة بسكونية الى العالم المقترح بوجل وخوف وتردد , وهي اذ قبلت العالم المقترح عليها من حيث المبدأ الا أنها بقيت واقفة امامه بخزين من الحزن المعذب والتردد والخوف , الذي يمت بصلته الى الواقع وليس الى الحلم , هل بوسعها ان تقبل عالمها المقترح او ترفضه وهي , في الوقت نفسه , مرتبطة بوشيجة صانعها ( الفنان ) وخاضعة لسطوته وعقده وخوفه ؟؟ فبين اليد التي تحمل الفرشاة وقماش اللوحة يقع الحد الفاصل الصلب بين الواقع اللاذاتي المشترك المرتبط بألف وشيجة بالعالم الخارجي الملموس وبين الواقع الذاتي المصنوع بذاك القدر من الحرية الذي نستطيع ان نوفره آنيا في لحظات التألق الابداعي.أن ذهابنا الى عالم نقترحه لذاتنا , حتى لو حددنا له مواصفات نرتضيها , لا يشبه على أية حال سفرة " الروح الكلي" الهيغلية المعزولة عن أي وجود مادي او بشري وغير المدركة لذاتها , بل هو محاولة لقطع وشائج لايمكن ان تقطع مع العالم الراهن الواقعي نعرف اننا عائدون اليه نعيش احداثه , غير عارفين على وجه اليقين فيما اذا كان الواقع هو الحلم ام ان الحلم هو الواقع. واقفين على حافة الانفصام. * * * *شغلت ليلى العطار , قبل رحيلها المأساوي , وظيفة مرموقة وهي المدير العام لدائرة الفنون , وكانت قد شغلت قبل ذلك مركز مدير قاعة الرشيد , ومن ثم مدير قاعة الرواق , التي لعبت قبل أن تغلق بقرار من وزارة الثقافة والاعلام آنذاك , دورا هاما في الحركة التشكيلية العراقية , وأرّخت معارضها الفردية والجماعية التي أقامها طليعيو الفن التشكيلي العراقي لواحدة من أهم مراحل تطور الفن التشكيلي في العراق , أن قيام الفنانين التشكيلين بمهام إدراية , وخصوصا على هذا الجانب من الأهمية مما يتطلب التكريس والانصراف عن الإبداع , كان دائما على حساب قدرتهم الإبداعية .توفيت ليلى العطار إثناء القصف الذي قامت به الولايات المتحدة في العام 1993 وإنتشلت من تحت أطنان من الخرسانة المسلحة , وبذا رحلت واحدة من الفنانات التشكيليات اللواتي لعبن دورا مهما في الحركة التشكيلية العراقية الى جانب العديد من الأسماء اللامعة الأخرى .رحلت ليلى العطار تاركة بطلة لوحتها في وحدتها الموحشة تحيط بها أشجارٌ جافة وشمسٌ شاحبة تعكس المأساة المزدوجة : أن تكون هي , وفي آن معا : فنانة وامرأة.* * * كان تطور الاساليب الفنية في المجالات الابداعية كافة : السينما والرواية والفن التشكيلي ...الخ يقوم على مبدأ الرفض لمدرسة متطرفة , من اجل إقامة الضد المتطرف . فالاتجاه العاطفي المغالي ( over sentimental) أدى الى أن يقوم الساخطون عليه بتأسيس الفن الذي يتخلى كليا عن العاطفة بل وان يقوم بازدرائها , وهذا ما كان عليه فن القرن العشرين بأغلبيته الساحقة ممثلا في فن بيكاسو كأفضل تمثيل , ولكن هذا الفن لا يلبث ان يتغير مُبدياً هذه المرة اعتراضه على التخلي عن العاطفة داعيا الى العودة اليها واطلاق المشاعر من عنانها . فـ (ميليه) الذي عاش في القرن التاسع عشر و الذي صوّر حياة الفلاحين واطفالهم وعوائلهم والعلاقات الحميمية بينهم وقيامهم بالصلاة والدعاء قبل نثر البذور للموسم القادم , قد تم الرد عليه بقسوة بواسطة الفن والذهنية الباردة لاوائل القرن العشرين . ولكن العودة الى العاطفة ما لبثت ان تعززت في الفن اللاحق إنما على مستوى شكلاني مختلف وباطار جديد وليس مجرد عودة ماضوية . فالواقع يطرح علينا هنا مثالا جدليا ( ديالكتيكيا ).ان الرجولة في الفن الانثوي ليس فيها ما يدعو الى الفخر , فهنا لدينا مثالٌ آخر ( وليس أخيراً) على وقوع المرأة مرة اخرى في حبائل الفخ الذكوري . ان تسلل الفن ( الذكوري ) الى فن النساء , والذي يتم تبريره تحت يافطة ان الفن واحد , هو خدعة يمارسها الرجال وتنطلي بسهولة على النساء . اذ لاتوجد غضاضة في ان تطرح الفنانات انفسهن و قضياهن في لوحاتهن كنساء سواء في الهم أو المحتوى الذي يعالج القضية الوجودية للمرأة , أو في الاسلوب ذي اللمسة الرقيقة , والعاطفة والرقة والانوثة , أو في كليهما معا.الجسد الانثوي , مصدر للتجريد رسمت سميرة عبد الوهاب تجريدات منفذة على كانفاسات كبيرة ذات تناغم لوني يتغاير من لوحة لاخرى , كان ثمة امتدادات مائلة ( diagonal) تقترح جسدا ممتدا . استخدمت سميرة عبد الوهاب طبقة من الورق الرقيق لتغطية الكنفاس وقامت بتجعيد الورق للوصول الى أعطاء ملمس خاص لسطح اللوحة وفرشت ألوانها بتروي وعناية محافظة رغم تجعدات الورق على نظارة اللون وبريقه . كان الغوص في تمويهات الفنانة يشبه مغامرة الباحث عن لُقىً صغيرة في كهف لايحتوي حتى على بصيص نور تمثل ميلا مموها بغموض مقصود إنزوى بفعل تراكمات التابوات التي تجاوزت القدرة على استيعابها وتصنيفها , فكانت اللوحة ذات سكونية استعراضية تنتظر حدوث معجزة استهلكت اعمارا متعاقبة .عرضت سميرة عبد الوهاب اعمالها في المعارض الجماعية بشكل خاص وقليلا ما أقامت معارض شخصية في العراق , ولكنها اقامت معارض في الدول العربية ودولا اخرى . وكما ذكرنا في الجزء الاول من هذه السلسة فانها في سنوات التسعينات بشكل خاص قد امتلكت وادارت قاعة بغداد الانيقة التي عرضت للعديد من فناني الحداثة في العقدين الماضيين . وكان ضمن المعارض التي نظمتها معرضا للفنان شاكر حسن آل سعيد . ولكننا بصدد معرض آخر نظمته القاعة طالما كان هذا الفصل مخصصا للفنانات من النساء , وهو المعرض الشخصي للفنانة الراحلة نهى الراضي والتي صدرت لها قبل سنوات قليلة مذكرات شيقة رشيقة الاسلوب تعرفنا بالراحلة نهى الراضي باعتبارها ناثرة مرموقة .عرضت الراضي في هذا المعرض إنشاءات وتكوينات من مكائن قديمة ومحركات مراوح سقفية مستهلكة على ارضية القاعة وفي خارجها وقد جمعت في تكوينات قصد منها ان تكون مترابطة بايجاد علاقات تركيبية في مساحات من الارض شغلت ايضا المساحات الموجودة امام قاعة بغداد وقد طوّقت حقول العرض الارضية بخطوط من الحصى وفرشت بالرمل . كان هذا المعرض عملا غير مألوف بالنسبة الى المشاهد العراقي ولكنه كان , مهما اختلفت الاراء مؤشرا مبكرا على التنوع والتغيير. أما أعمالها اللاحقة , وخصوصا أعمال الكرافيك , والتي أنجزتها قبيل رحيلها فكان أعمالا ذات طابع آخر تماما . اما شذى الراوي والتي عرضت في تلك الفترة اعمالا صغيرة في الغالب , فقد ركزت على موضوعة المرأة المحاطة بعيون الرقباء وبغض النظر عن التكنيك المعتمد من قبل الفنانة فانها بقيت تعالج موضوع الحذر المزمن للمرأة , جاعلة اياها في مركز اللوحة , وبالرغم من حداثة اسلوبها القائم على دوامات من الخطوط والالوان الذي يشير الى الحذر والتحفظ الا ان الملاحظ يستطيع ان يرى ان المرأة التي تشغل مركز اللوحة والتي تحيط بها وجوه الرجال راغبة أو منذرة , قد جعلت لوحتها الى جانب اشتراكها في مع سميرة عبد الوهاب وليلى العطار وبتول الفكيكي وفنانات أخريات بموضوع الهم النسائي , أكثر ارضية و بدون خيال محلق أو تجريد يعتمد التكوين الجسدي المنسق أو الحلم , ان امرأة شذى الراوي أمرأة واقعية أحاطت نفسها بسياج الحذر والتحفظ الملازم لها كظلها في حلها وترحالها.بتول الفكيكيالمراقب في الخلفية !الوجه المثير للفضول والفائق الفتنة لبطلة لوحة بتول الفكيكي , يرافقه , فيما يشبه الصدمة , الوجه الرجولي الغامض في خلفية اللوحة , هل يقول : حذارِ ؟! ذلك الوجه الذي يتظلل نصفه مضفيا على مرمى الفنانة بخصوص مقاصده غموضا وريبة , فإن كان مفتونا بها , فان ليس بوسع احدٍ ان يلومه على ذلك , ذلك ان الذي رأى هيبتها الفاتنة لا يمكنه ان يُخطئ في تشخيص عائديته . هل الماثل في الزاوية العليا , الممتلئ سطوة وجبروتا والناظر الينا بطرف عينية , أي الى المشاهد شزرا محذّرا , هو حارس التابوات آنف الذكر ؟. فعلى خلاف فتنة الوجه النسائي , فان لهذا الوجه الرجولي غموضا , بحيث يحار المرء في المهمة التي انيطت به أو التي اناطها لنفسه . فإن لم يَكُ هو حارس التابوات العتيد فانه لاشك أحد المتربصين المحمولين أبدا في نفس الفنانه والذي يُحس به كالظل , حتى وإن لم يُرَ , كتكريس من تراكم القرون لسالبي الحرية وسارقيها الذين تصدروا الساحة.فعلام تحرس بتول الفكيكي فتنة بطلتها مُرَوّعة و مُرهِبة مشاهديها ؟ وعلام لاتتركنا في بهجة التأمل للوجه الساحر؟ واخزة تأملنا الصموت . لا توجد لدى الفنانة أدنى نية في ترك الجمال مصرحا عن نفسه نقيا تلقائيا , ملتقية بذلك مع ليلى العطار وبطلتها الواقفة على حافة الحلم . هذه اللوحة هي بشير متشائم من ان زمن الانعتاق مايزال بعيدا جدا وان الحرية المبتغاة ليست شيئا خارج ذواتنا نترقّب مقدمَه كي يهبط علينا كما يهبط المطر مدرارا على ارض جافة . بل انها ـ أي الحرية ـ كما سبق لي وكتبت عن قصائد ( ابراهيم البهرزي ) التواق الى الحرية و عن قصيدته "الطيوري ": " الحرية هي مخلوقاتنا التي ينبغي ان نتعلم كيف نصنعها . وان الهروب أو تغيير المكان لن يلعب سوى دور ضئيل , أو انه , بالاحرى , عديم الدور في منحنا الحرية : ان ذلك الذي لم يدرك حريته في بلده سوف لن يكون بمستطاعه ان يعثر عليها في مكان آخر".يضع الرجال والنساء من الفنانين مثالهم في وجه غامض مضلل كما تفعل بتول الفكيكي . أو موليا لنا ظهره , لانعرفه ولكن , لا مفر , نستنتجه كما فعلت ليلى العطار. أو بدون ملامح ولكنه جميل , فيما يشبه المفارقة (paradoxical ), كما فعل فاروق حسن . أو ( نساء لنا ) و( ليس له ) أي ليس للفنان , كما في لوحات علي تاجر وشاكر الآلوسي , فالاول يتجنبها ويخشى سطوتها , والثاني حيادي ازاءها لسبب ما . " هذا ما لدي " يقول عارضاعلينا ما لدية .وتكرر الحكاية نفسها متخطية الزمان المكان , كما عرضنا في سطور سابقة للموقف من المرأة ممثلا في : كلِمت وهويسلر وبيكاسو مع فوارق جوهرية وتمايزيّة . تضاف لها المحرمات الشرقية الخالدة.سعاد العطار وعفيفة لعيبيالطبيعة البكر , لماذا الاصرار على أنها الحاضنة لحرية المرأة ؟في النصف الثاني من القرن التاسع عشر , دّوخ فنان فرد الفنانين والنقاد على حد سواء , انه هنري روسو , لقد اسس لوحدِه مدرسة موازية للانطباعية التي رفع لوائها جمهرة من ابرز فناني ذلك العصر . فالى جانب السؤال اللغز و المثير للجدل عن مدى إدراك روسو , الساذج البدائي حتى في حياته الشخصية , لمنجزاته الفنية , والتي كانت ذات نفوذ واضح على فن القرن اللاحق , يواجهنا السؤال الذي تكرر باستمرار من اين استمد روسو نباتاته وزهوه الوحشية الغريبة ؟ لقد بحث النقاد والباحثون في جغرافيةالارض كلها ولكنهم لم يبحثوا في المكان المناسب أبدا والقادر على إعطاء الجواب الا وهو : الخيال الخلاق .باسلوب مختلف ولكن بمحيط متشابه من حيث الجوهر , ترحل كلتا الفنانتين ـ سعاد العطار وعفيفة لعيبي ـ ببطلة لوحاتهما الى طبيعة بكر وتتشابهان مع ليلى العطار في طرح الطبيعة البكر الوحشية , مضافا لها الوحدة والاختلاء بالذات أحيانا , ومع شريك أحيانا أخرى , باعتبارها المكان الملائم لحل المشاكل الوجودية للمرأة أو على الاقل التخفيف من وقعها , المحيط لدى ليلى العطار عزز المأساة , أشجار جافة وشمس شاحبة , انه هروب لم يؤدِ في كل الاحوال الى الحل كما راينا . في لوحة بتول الفكيكي يتشابه المكان ولا يلعب أي دور , فالرجل موجود في كل الاحوال , والدور المعطى له ـ أي للمكان ـ بدا دورا أزليا سرمديا ـ أو عديم القيمة و خارج التاريخ والظرف والمكان , سلبيا كان , كما حللنا , أو إيجابيا كما قد يرى آخرون.والناظر للطبيعة المحيطة ببطلة سعاد العطار الوحيدة أو التي بصحبة رجل ما , عطوف رقيق حنون , على الضد من رجل الخلفية الغامض المنذر لبطلة بتول الفكيكي , سيجد ان ملامح البدائية المستردة من طفولة الارض ونباتاتها ذات صلة ما باجواء هنري رسو وكذلك الالوان الخضراء الزيتونية المهيمنة تسعى الى تعزيز مفهوم الحرية ومحاولة اضفاء الاطلاق عليه , فكما عالجنا نفس الميل لدى ليلى العطار والذي يرتئي انه لا حرية الا في البدايات موغلة القدم ، نجد الميل نفسه لدى سعاد العطار والكثير من الفنانات الاخريات , كما تفعل ميسلون فرج , على سبيل المثال لا الحصر.تجمع ميسلون فرج شخص المرأة بالطفولة والطبيعة معا , طفولة الانسان وطفولة الام ـ الطبيعة, في وحدة تم إحكام ترابطها, ( من القائل : العبقرية هي طفولة مستعادة ؟) فاللوحة لديها : طفولية الموضوع طفولية الاسلوب , تطرح مقترحا : اعيدوا الي طفولتي وخذوا ما ترتب على النضج , و الطفولة لديها ليست مجرد انكفاء متقهقر في الزمان , بل العودة الى المكان المفقود المفتقد , المرئي بعين الطفولة , والمنقّى ، تأسيسا على ذلك ، من كل عيب , حين كانت تتزيا بزي عروس واضعة احمر الشفاه الذي أخذته خلسة من أحد ادراج الزينة والتي كانت دائما و ابدا مثيرة للفضول والعائدة للنساء الناضجات واللواتي ربما كنّ في هذه اللحظة يتطلعن خلسة بود وعطف ضاحكات لسلوك البراءة الطفولية وكما ينبغي أن يكون عليه المكان الصحيح فـإن ثمة نخلتان على الجانبين وثمة ايضا شلال لوني من اللازورد يحيط بها كغلالة من حلم يتوهج متألقا مقتربا منها ضافيا القا من نور على البراءة .* * * *ان دور وداد الاورفلي , الذي تجلى بأسطع صوره , في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي , يتخطى دورها كفنانة تشكيلية بارزة في الساحة التشكيلية العراقية , فقد كانت السيدة الاورفلي بحق احد الرموز الثقافية للبلد فبالاضافة الى مشاركاتها في اغلب التظاهرات التشكيلية العالمية المقامة في بغداد , والنشاطات الفنية في الدول العربية , فان القاعة التي تسمت باسمها قاعة الاورفلي , والتي كانت كما ذكرنا في الجزء الاول من هذه الدراسة , هي القاعة الاولى في العراق غير المملوكة للدولة والتي مارست ابان تلك الفترة دورا رياديا في الحركة التشكيلية العراقية . كانت الافتتاحات التي تقام للمعارض الشخصية والجماعية من قبيل معرض الصيف والربيع والذي كان يقام سنويا , وكذلك العروض المسرحية والمحاضرات والندوات , كانت كلها احداثا ثقافية بالغة الاهمية.في لوحاتها التي عرضتها الاورفلي في اغلب المحافل والمناسبات التشكيلية , في هذين العقدين تتغزل وداد الاورفلي ببغداد , ليس ببغداد الكائنة , بل بغداد فيما ينبغي ان تكون عليه , وما تستحقه عن جدارة , القبب اللازوردية التي تترامى حتى الافق المصطبغ بالشمس الغاربة , والنخيل والاهلة وزخارف زينت حيوات الالاف والملايين من المفعمين بالامل والرافضين التخلي عن الايمان بالمستقبل , وبالرغم من كل تجولاتها وتطوافها , كانت هذه الفنانة المفعمة بالنشاط تعاود الامل والايمان والعمل باصرار على إعادة ترميم الحياة التشكيلية ومؤسساتها .والقبب المحاطة بالنخيل للحلم البغدادي الملحاح كان الشغل الشاغل لفنانة اخرى هي الفنانة سلمى العلاق , القبب المنقوشة بالوان قزحية غلب عليها هي الاخرى اللون اللازوردي والمشغول بعناية وشفافية .هناء مال اللهالعقل يقود اليدينفي الموضوع الحالي بين يدي القارئ بأجزائه الستة , لم الجأ أو اكترث لماضي الفنان وشهاداته ودراساته الا ما ندر , وانما طبقت منهجا يقوم على تحليل نتاج الفنان ـ اللوحة , في طريقة للاحتجاج على المساعي أو الميول المتزايدة , والمنقولة الينا من إتجاهات متأخرة معمول بها في تقديم الفنانين في الافتتاحات وكذلك في النقد والأرخنة للفن التشكيلي الاوربي يقوم على التركيز على حياة الفنانين الشخصية والشهادات والمراكز الادارية والتدريسية والجوائز والمكافئات بدلا من الشئ الاكثر حسما : النتاج الفني ـ اللوحة. وأقول لنفسي : لوكان فان كوخ أو غوغان أو منعم فرات على قيد الحياة لرفضت اكثر القاعات تواضعا هنا في المانيا أن تعرض أعمالهم , ذلك اذا لم تقم بركلهم خارجها . وقد إنطوى هذا المنهج على صعوبات لا مفر منها وخصوصا تلك المتعلقة بتوفر ما يكفي من اللوحات في الوثائق وصور اللوحات المنشورة على صفحات الانترنت وما هي منها الاكثر تمثيلا للفنان من غيرها.ان لوحات هناء مال المعززة بالكثير من التصريحات والشروحات والتبريرات النظرية من قبلها او من قبل غيرها من النقاد والمعلقين , لم تكن لتخدم اللوحة دائما , وانما كانت في أغلب الحالات تثير الكثير من الضباب والتشوش على القدرة على تحليل العمل دون مؤثرات . ان اقل ما يقال عن الالحاح في الحديث عن العمل المنجز انه يقلص هامشا مهما وضروريا متاحا للمشاهد والمراقب من تنوع التأويل وإعادة الاكتشاف لعناصر لم يكن بمستطاع حتى الفنان الانتباه لها لانها موجودة في لاوعيه , وان تعدد امكانيات التأويل وتنوعها هو في نهاية المطاف في صالح اللوحة وليس ضدها .فتوضيح دلالات الرموز التي تحتشد بها لوحات هناء مال الله ومدى عراقة هذه الرموز والاشارات أو الدلالات الكامنة فيها باعتبارها رموزا اشارية , او ارقاما وكلمات ( لها سطوة وتأثير على الواقع) لاتعنينا سواء اتفقنا مع مفاهيمها الميتافيزقية أو اختلفنا ـ وهذا ما أفعله أنا ـ , كما لايهمنا الشكل المنفرد لهذا الرمز أو الاشارة , وان ما يعنينا هو : العلاقات الترابطية التشكيلية الموجودة بين هذه العناصر والتي ينبغي أن تبرر نفسها تشكيليا وليس نثريا أو فلسفيا . فلو قمنا إفتراضا باخذ هذه العناصر التي تعد بالعشرات والمئات وقمنا باعادة ترتيبها عشوائيا لكان بالامكان انجاز عشرات اللوحات من نفس العدد من العناصر والتي احتفظت بمغزاها المنفرد ولكن اللوحة في هذه سوف تتغير تشكيليا وتصبح لوحة أخرى . لقد أحسنت هناء مال الله التوليف بين العناصر , وهذا هو حجر الزاوية في عملها وسر نجاحه , ولايكمن السر في العنصر المنفرد ودلالاته الفلسفية والنثرية , واذا ما سألني أحد ما نصيحة , سأقول له : لاتتكلم كثير عن اللوحة ! دعها هي تتحدث وتقيم حوارية مع مشاهدها انها لم تعد ملكك لقد قدمت لك فلسفتك وأفكارك ما يكفي من المساعدة من أجل إنجاز اللوحة , وبهذا انهت مهمتها وانتهى دورها . واذا كان لهذه الافكار المزيد من الطاقة المبررة فعليها ان تقدم المساعدة الآن من أجل لوحة أخرى.هل يُعنى المتلقي بالاساس النظري لمشاهداته حين يقف أمام اللوحة , أم انه معنيٌ بالناتج النهائي بغض النظر عن المنعرجات والانعطافات والمطبات التي سلكها المسار الانجازي ؟ وهل من الممكن تبرير اللوحة منطقيا ؟ هل يقوّي الاساسُ النظري أو التنظيري من قدرتنا على رؤية ما هو مخفي ؟ ما دام ليس بمستطاع أي تنظير ان يغيير اللوحة باعتبارها معطى ً نهائيا وجاهزا كوجود فيزياوي من جهة , وبين كونها ـ أي اللوحة ـ ذات بعدين في الزمان غير مستنفذة التأويل من الجهة الاخرى ؟تطرح الخطوط الفكرية والتشكيلية , التي توازي بعضها البعض , لدى الفنان التشكيلي الفرد وكما العلاقة بينهما الكثير من الاسئلة ولا تعطي جوابا واحدا.سيبقى الجواب على هذا السؤال حتى إشعار آخر موضع خلاف . ففي الكتاب الذي ترجمه الاستاذ فخري خليل والصادر عن دار الشؤون الثقافية في التسعينات ، ( الفن الحديث كيف نتذوقه ) يطرح المؤلف طريقة حسابية تقرب من الرياضيات من أجل ارشادنا الى الوسيلة التي تجعلنا نتذوق الفن الحديث ! لقد دخل الناقد أو المؤرخ التشكيلي بين اللوحة والمشاهد باعتباره وصيا : " حذارِ ! ليس بمستطاعك ان تتذوق أو ان تعجب بهذا العمل ، أنا الذي سأقول لك بم تعجب " لقد مثل هذا تطورا خطيرا في الفن التشكيلي ، حيث يصار وخصوصا في المجتمع المؤسساتي الرأسمالي الى تصنيع وإعادة تصنيع الذوق العام .( يقول ماكيز في خريف البطريرك ان البطريرك اُعلن ، بموجب مرسوم ، ان الكاتدرائية التي في بلده هي أجمل كاتدرائية في العالم) .ان القدرة النظرية هي سلاح ذو حدين فالتبريرات النظرية بامكانها ان تبرر عملا لا يمكن تبريره الا لغويا , وليس تشكيليا باية حال من الاحوال , وهذا هو بالتحديد مأزق النقد التشيكيلي والموسيقي فان على الناقد ان يحول خطابا إبداعيا بصريا او صوتيا الى كلام منثور.هل ينبغي للمشاهد ان يقرأ ما يكتبه الفنان بعناية قبل أن يهم بمشاهدة اعمالة أو زيارة معرضه ؟ ان ما قام به بول كلي وكاندنسكي وماتيس وآخرون هو تبرير تاريخي أمام الآخرمن أجل التنكر المبرر لتاريخ الفن المكرور حتى تلك اللحظة . فاذا كانت الواقعية بكافة اشكالها وتغريباتها ـ انظر الجزء الثاني من هذه الدراسة والمعنون : الواقعية العراقية ـ قد أوجدت معيارا في العلاقة مع الموديل الموجود موضوعيا أي مستقلا عن اللوحة طارحة شكلا من اشكال المقارنة الآلية مع شئ قابل للاقتفاء , فان الفن الحديث ليس بوسعه ان يجد له معيارا سوى معيار العقل والتبرير المنطقي والتوازن ببعد نسبي عن الحسيات المجردة , ولكن ليس دائما بدونها.ان هذه النقطة ذات اشكالية حقيقية ، فاذا كان العلم يسعى الى هدف يقوم على الكشف عن الظواهر الموجودة موضوعيا وإستنباط قوانينها وتسخيرها ، أي انه يسعى الى هدف مركزي يكاد الذاتي فيه أن يكون معدوما ، الا باعتباره اداة الكشف , كما عرضنا في احدى حلقات هذه الدراسة , فان الفن هو إنجاز ذاتي ، بمعنى إنه طريقة فردية وشخصية في إقامة علاقة ذات نسق ما . لذا فان المعايير الموضوعية ـ الموضوعي هنا هو اللاذاتي ـ للحكم على الفن تكاد تكون معدومة ، انها معايير ذاتية تتوافق أو لاتتوافق مع طرق الرؤية والتذوق التي تشكلت تاريخيا ، فعلى خلاف العلم الذي يُختبر في التجريب ، لايوجد أي معيار تجريبي للفن ، وتؤدي التجارب العلمية الى نتائج خاطئة أو صائبة , ولكن الخطأ والصواب غير موجودين في قاموس التقييم التشكيلي . ان فيه الأصيل أو المكرور الثوري أو المحافظ الجميل وغير الجميل , لكن ليس فيه الخطأ والصواب , هذه هي خصوصية الفن بمجمله.لن تستطيع أكثر الكتب فصاحة ان تغير ادنى نأمة في المنجز التشكيلي , لأنة ساعة عرضه أنما يكون معطى نهائيا وثابتا , ولكن الحديث ـ أي الكلام المنثور أو الشعري ... ألخ يمكن أن يسلط ضوءا على ما هو موجود أصلا من اجل التأويل والتوضيح واعادة التأويل والتوضيح الى ما لايحصى من المرات .وتبقى الكثير من الجوانب الاخرى التي تطرقنا الى جزء منها عرضا في الحلقات السابقة من هذه الدراسة ، والتي ترى أن الوعي والثقافة لا يلعبان بالضرورة دورا في الاداء التشكيلي , والا لكانت صناعة الفنانين من اسهل الصناعات . ويلعب الوعي البسيط والثقافة المبسطة أحيانا ، كما دل تاريخ الفن التشكيلي نفسه , دورا إيجابيا في شحذ الاحاسيس والتركيز على الملكة التشكيلية دون غيرها , ولا أحد يستطيع ان يقول إطلاقا ان اكثر الفنانين جودة واعظمهم دورا في تاريخ الفن هو بالضرورة اكثرهم وعيا وثقافة , بل ان التكوين الفسلجي والسايكولوجي للفنان هو تكوين معقد يلعب فيه الوعي والثقافة دورا جزئيا , ولعل من ابسط الامثلة التي بالامكان ان نسوقها , هو ان الكثير من الشعراء لايحسنون الكلام وكثير آخر منهم لايعرف حتى قواعد اللغة , بينما على الجانب الآخر لا يستطيع الكثيرون من الذين يحسنون الحديث ويعرفون قواعد اللغة أن ينظموا بيتا شعريا واحدا .ولكنني اتجنب تحميل اللوحة الكثير من الرموز حد الاغراق , فحين كتب الكثيرون من النقاد والمشاهدين عن المغزى الرمزي للبقرة في لوحة الكورنيكا , قال بيكاسو : ان البقرة الموجودة في اللوحة هي بقرة . هكذا بكل بساطة . ان تسعين بالمائة من النقاد يعيشون على كتابة اشياء لاتنتمي الى اللوحة وفي اغراقات في التفسير والطرق المتلوية في الحديث و التي يلوون بها عنق اللوحة لاستنطاقاها بما لاتقول ( المسكينة ) , ويصمت كثير من الفنانين على ذلك صمتا تآمريا أو تواطئيا على هذا الاغتصاب المشين , ظنا منهم ان هذا يخدمهم , ولو جرى الحديث عن اللوحة نفسها دائما دون استعمالها كمثير للتداعيات الشخصية الذاتية التفريغية( للناقد) أو من أجل استعراض العضلات المعرفية كما يفعل آخرون , لترتب على هؤلاء ان يبحثوا عن عمل آخر أو يصبحوا عاطلين عن العملخاتمةان اسماءا مثل : نزيهة رشيد ، نزيهة سليم ، رؤيا رؤوف ، نضال الأغا ، عشتار جميل حمودي ، مهين الصراف ، بهيجة الحكيم وأخريات لم يتم التطرق لهن بالتفصيل لاسباب تتعلق بمحدودية المجال وعدم توفر الوثائق الكافية واللوحات بشكل خاص , ان أسماءا مثل هذه تستحق بجدارة الاشارة والاشادة . واذا ما قدر لهذه الحلقات أن تتحول الى عمل مطبوع , و هذا ما أنوي القيام به , فأنني سأعمل ما بوسعي على ان يكون شاملا قدر المستطاع مع تحليل وافٍ للأعمال الفنية . الى كل هؤلاء الفنانات والى الأخريات من اللواتي لم ترد أسماؤهم , كما الى جميع الفنانين التشكيلين الذين لاتتوفر لديهم صفحات خاصة على شبكة الانترنت , أرجو ارشادي الى الطريقة التي استطيع بها الوصول الى أعمالهم وصور لوحاتهم , أو ارسال صور اللوحات وأية معلومات ضرورية عن الفنان على عنواني المدون في نهاية الموضوع , مع الشكر الجزيل مقدما .
منير العبيدي

يوم قتل بيل كلنتون هذه العراقيــة


هل كان القتل صدفة ؟ استهدفت قوى الشر بيتها مرتين : قصفته الصواريخ الامريكية في عاصفة الصحراء ودمرته بالكامل وسوته بالارض. لكن المرأة لم تكن موجودة فيه: وفي عام ثعلب الصحراء 27 حزيران 1993 . . كانت في البيت !من هذه المرأة المتتدة في بعدي اللوحة ؟!قبل دقائق كانت اصابعها تمسك ريشة . كانت ترسم افقا بلون البرتقال للعراق وكانت الشجرة التي تستحضرها ليلى العطار في اعمالهاالفنية تزهر اغصانها اوراقا خضر . كانت تتحدى من موقعها كل حصار .
كانت تطبق عينيها على خارطة وطن اسمه العراق وكانت معالم هذه الخارطة تختلط ببريق لون عينيها الخضراوين ايضا . واسعة عيون ليلى العطار .ومن تحت الانقاض خرجت تفصح عن ابتسامة عرفت بها كفنانة وانسانة .كان ذلك في الساعة الثانية من ليل 27 حزيران 1993 حين اراد بيل كلنتون ان يثبت انتصاره على نساء العراق فقتل زهرة العراق.
الساعة الثانية بعد منتصف الليل : الوقت المفضل لقتلة البيت الابيض لأنه وقت الذروة لمشاهدي التلفزيون الامريكي المتعطشين للاثارة .الساعة الثانية بعد منتصف الليل . . والناس نيام آمنين في بيوتهم في بغداد.ماتت ليلى العطار ولكن بقيت عيونها مفتوحة على سماء بغداد .
ستشيعها لوحاتها الاثيرة وسيسير في موكبها الجنائزي البط والشجر ودجلة .كان المشهد مأساويا يمتد على لوحة شارع الاميرات حزينا كان الشارع وكانت فرق الانقاذ تفتيش عن بقايا جسدها البض وعن بضع تساؤلات تركتها على مناضد مرسمهاالمفعم بالدفء والوداعة . كانت الوانها متناثرة وكأنها ارادت ان توزع رموزها على ارجاء هذا الشاعر الذي شهد ولادة اعز ماتملك ليلى : حيدر وريم اللذين خرجا معها بقدرة الهية من تحت الانقاض .
ريم فقدت احدى عينيها .كان هناك جمع غفير من الفنانين التشكيليين اصدقاء الراحلة ينتظرون خروج لوحة ليلى الاخيرة من تحت الانقاض. وكانت فاجعة لهم ان تأتي اللوحة مؤطرة بجسد وثياب ليلى نفسها .
في القرب مني احد اصدقائها يصرخ: من هذه المرأة الممتدة في بعدي اللوحة ؟ كانت هي ليلى العطار ! وكانت بهذه الوداعة الاخيرة تشارك عددا من الشهداء المدنيين سقطوا بالقرب منها او على مبعدة من بيتها الذي تحول الى حطام.ان قتل الفنانة ليلى العطار بالصواريخ الامريكية لا يقل بشاعة عن جريمة مشابهة هي قتل فرانكو للشاعر الاسباني العظيم لوركا سنة 1936 .
وقد ظلت جريمة فرانكو بقعة سوداء او حمراء في ثوبه من يوم وقوع الجريمة الى الان وستظل كذلك على مدى التاريخ كله وقتل الفنانة المبدعهة والانسانة الطيبة النبيلة والمرأة الجميلة جمالا ملائكيا نادرا والتي اسمها ليلى العطار سيظل قتل هذه المرأة بقعة سوداء او حمراء في الثوب الامريكي او في العلم الامريكي نفسه - الناقد المصري رجاء النقاش.**لو جمعنا اعمال الفنانة الشهيدة ليلى العطار كلها لما وجدنا فيها الا عملا او عملين من مشاهد العنف .
اذكر هنا لوحة عن الحرب صورت فيها كومة من اجساد ممزقة من اياد وسيقن واذرع وجذوع. كانت صورة غريبة سواء في مقاييس عملها الفني او في الطريقة التي نفذتها بها وقد اعتقدت ان ليلى التي تخاف مرأى الدم ومشاهد العنف حذفت عن تعمد الدلالات المكانية والحركات وصورت المشهد الحزين في حالة سكون . فقد قضي الامر والقائمون على الجريمة غير موجودين واكثر من ذلك اعطت الفنانة لمزق الضحايا لونا ابيض يوحي بمرضى اللوكيميا اكثر مما يوحي بمجزرة ..
حين عرضت هذه اللوحة لاول مرة سألتني فيما اذا اعجبتني ومن دون ان تنتظر جوابا حدقت في عيني وقالت ضاحكة (لا انت لا تحب مثل هذه الاعمال فأنت مسالم مثلي )
الناقد الفني العراقي والصحفي سهيل سامي نادر
**ولدت الفنانة الشهيدة في عام 1944 وتفتحت ممواهبها الفنية منذ سنين الطفولة حين منحتها مؤسسة شانكر العالمية لرسوم الاطفال جائزتها الذهبية . وهكذا تطورت ملكتها الفنية الواعدة وقدر لهذهالفنانة الموهوبة ان تخوض غمار حركة تشكيلية حديثة مفعمة بالاعمال والامال فمنحت سنين كفاحهاالفني قدرا من الدينامية التي اهلتها للابداع واعدتها للريادة في البحث عن موضوعة صراع المرأة مع المجتمع كمؤسسة ضاغطة كان ينظر الى المرأة باعتبارها عنصرا ساكنا اما هي فقد كانت تطمح الى قيادة الفعل الابداعي باتجاه جديد يستطيع ان يحول المرأة من حالة السكون الى مرحلة الحركة المؤثرة والفاعلة معا وهكذا استطاعت الفنانة ان تقدم في هذا المعترك اروع اعمالها الفنية التي نالت تقدير النقاد واعجاب المشاهدين مثلما نالت العديد من الجوائز التقديرية والعالمية مما ساعدها ان تشق طريقها الى الصفوف الاولى في الحركة التشكيلية واهلها بجدارة ان تدير اكبر مركز في الوطن العربي هو مركز صدام للفنون .
التقاسيم (نغم عراق) للفنان جميل بشير لماذا استهدفت قوى الشر ليلى العطار مرتين وباصرار ؟
يقال لأنها رسمت صورة بوش الاب على الارض امام مدخل فندق الرشيد فكان كل من يدخل لابد ان يدوسه بحذائه. ونحن نقول ربما هذا السبب وربما لأن مغول العصر لا يطيقون اي رمز من رموز الحضارة العراقية . والفن والمرأة المبدعة رمزان للحضارة والحياة منذ الازل .

ليلى العطار.. اللوحة الأخيرة


عبد الرحيم العلام في زيارة لبيت الكاتب أحمد المديني أطلعني على شريط فيديو ذي أهمية نوعية وفنية خاصة، حمله معه من بغداد، فقلت في نفسي، قبل أن أطلعكم عن فحوى هذا الشريط، لم لا نتذكر نحن، هنا في المغرب، ونخلد ذكرى من غادرونا، من الكتاب والفنانين، بنفس هذه الطريقة البديعة التي تمت بها برمجة ثماني دقائق (فقط) طافحة بالمتعة والإنسانية، حينا، وبالأسى حينا آخر على فنانة عربية ذهبت غيلة، ويتعلق الأمر، هنا، بالفنانة العراقية ليلى العطار. لم لا نستعيد ذكرى كتاب غادرونا، هنا أو هناك، بغتة، في موت لا يقل عنفا من ثقل ذلك الصاروخ الذي سقط، فجأة، على بيت ليلى العطار فدمره تدميرا، وقتل من كان نائما فيه، يحلم ذات ليلة من ليالي بغداد الأسطورية...
بعيدا عن أجواء الموت ولعنته، نجد أن معظم كتابنا المغاربة، المحدثين، قد حصدهم إما ذلك المرض الفتاك (السرطان)، أو غيره من الأمراض التي لا تقل تأثيرا وتدميرا من دمار الصواريخ نفسها، هاته التي ما زالت تنزل بردا، من دون سلام، على بغداد وتقتل من تصادفه في طريقها. فباستثناء بعض المبادرات الطيبة، والمتقطعة أحيانا، من هذه الجهة أو تلك، للحفاظ على ذكرى كتاب غادرونا في لهفة من حروبنا الصغيرة والتافهة ( كالاحتفاء بذكرى الشاعر عبد الله راجع والكاتب محمد خير الدين والزجال العربي باطما، خصوصا)، فإنه لا وجود لمبادرات، هنا والآن، بهذه الطريقة أو تلك، لتخليد ذكرى رجال غادرونا، ينتمون إلى جيل قريب جدا من ذاكرتنا ومن قلوبنا ( كالراحلين عنا من الشعراء: أحمد الجوماري وأحمد المجاطي ومحمد الخمار الكنوني والفقيه محمد المنوني والقاص مبارك الدريبي، وغيرهم ممن رحلوا خلسة عنا وعن أعمالهم وآثارهم)، فما بالك بالتساؤل، الآن، عن عدد المبادرات، الشخصية أو الجمعوية، التي تواكب الأحياء من كتابنا المرضى الموزعين على امتداد التراب الوطني (في مراكش وتطوان ومكناس والقنيطرة، حتى لا نذكر الأسماء...) وخارجه أيضا. كم هو عدد المبادرات التي تواكب مرض الكاتب الكبير محمد زفزاف وهو طريح الفراش لمدة تجاوزت، الآن، الأربعة أشهر، هناك في باريس. وأين هو ذلك الدعم، المعنوي والرمزي على الأقل، الذي نتحدث عنه دائما. صحيح أن هناك التفاتات مشكورة من بعض كتابنا ومن اتحاد كتاب المغرب لزيارة محمد زفزاف والتخفيف عنه من شدة الوحدة وقساوة المرض، هناك بفرنسا، حيث يتأسس معنى جديد للحياة، خارج لذة الحياة بحي المعاريف بالدار البيضاء، حيث يقطن محمد زفزاف منذ أن قدم إلى هذه المدينة التي عشقها حتى النخاع وكتب عنها أجمل رواياته ومجاميعه القصصية. لكن، بموازاة مع ذلك، لم لا تتحرك إحدى تلفزتينا، وهما اللتان رفعتا شعار الحركة منذ مدة، في زيارة لزفزاف، لأجل أن تسجل معه شريطا متلفزا، يتم، من خلاله، إشراك الجمهور العريض، من القراء والمتعاطفين، في محنة الكاتب الكبير؟
أعود لموضوع ذلك الشريط المنجز ـ في انتظار شريطنا المنتظر ـ المعنون بـ«اللوحة الاخيرة» وهو من إنتاج شركتي (هاي فيلم) و(وفاء عوض). شريط جميل ومؤثر، يتتبع، في بعض مشاهده، جوانب من المسار الحياتي والفني لليلى العطار، مصحوبا بموسيقى هادئة لنصير شمة وقراءة شعرية للشاعر حميد سعيد، وهو من إخراج خيرية المنصور. ينفتح هذا الشريط على جينيريك يعكس إحدى زوايا مرسم ليلى العطار كما ينغلق على نفس المشهد. وما بين الانفتاح والانغلاق هناك حياة فموت فحياة. مناظر لنهر دجلة وقد غدا صحيفة فضية متلألئة، وميدان التحرير ببغداد، وفجأة تتحول الكاميرا نحو ليلى العطار في سيارتها الفولفو، منتشية بمعالم ذلك الفضاء الذي تعبره، ثم في مشهد بديع مع الأسرة، وفي مرسمها، وهي تغازل الفرشاة بمثل تلك الخفة والرشاقة اللتين تلامس بهما الفرشاة إحدى لوحاتها، قد تكون هي تلك اللوحة الأخيرة لها.
غير أنه في ليلة 27/6/1993، والساعة كانت تشير إلى الدقيقة الثانية عشرة بعد منتصف الليل، يعبر مطر أسود سماء بغداد، فيختار السقوط، بدون رحمة، على بيت ليلى العطار في مشهد مروع وبوحشية بربرية قد لا تتذكرها جيدا سوى تلك المرأة المسنة التي أبرزها الشريط وهي تبكي المرأة العربية في شخص ليلى التي في العراق ميتة. وسط الخراب والتلاشي تناثرت، هنا وهناك، لوحات ليلى ووساداتها الملونة وقد صمدت أمام الدمار، مجسدة بذلك نوعا من الخلود الرمزي لليلى ولفنها. ثم يأتي المشهد الرهيب، مشهد جنازة فنانة، على امتداد شارع كبير وسط موكب شعبي كبير أغلبه من النساء، هؤلاء اللائي يطلقن صرخات مدوية تخترق سماء بغداد وقد غدت قاتمة حزينة. بموازاة مع كل هذه المشاهد يصلنا صوت الشاعر حميد سعيد بدفئه وبنبراته الحزينة، في قصيدة قوية ومؤثرة يرثي فيها ليلى، من بين ما قاله فيها:
في تلك الليلة.. كانت تسهر في مرسمها تتصيد من بعض كنوز أصابعها أقمارا وسحابا وفراشات لكن الألوان اعتكفت في حُق الكحل..
ونامت في برد النسيان أو بعد الألفة..
وهي القصيدة التي أدرجت، في ما بعد، ضمن مختارات شعرية بعنوان (من الحدائق التسع) من مجموعات الشاعر التسع التي نشرها على امتداد الثلاثين سنة الأخيرة، وهي من انتقاء وتقديم لهادي دانيال (دار نقوش عربية، الطبعة الأولى 1997، ص 72 ـ 76 ). وكما هو معروف، فإن ليلى العطار قد غادرتنا بعد حياة، لم يكتب لها أن تكتمل بشكلها الطبيعي (ولدت ببغداد عام 1944)، لكنها كانت غنية بالمنجزات الفنية والمعارض الدولية والجوائز والأوسمة المهمة، وكان آخر منصب شغلته الراحلة ليلى العطار، قبل اغتيالها، هو منصب مدير عام دار الفنون بوزارة الثقافة والإعلام. ذلك فقط مجرد شريط، لكنه طافح بالذكري وبالعمق الإنساني تجاه فنانة، غادرتنا، هناك، لكنها لم تمت.

ليلى العطار .. هاجس الرحيل المبكر






*اكتملت أسطورة ليلى العطار بموتها: تلك الأسطورة لتي ولدت، تواً، في قطيعها مع عالم الزوال، وهذا الموت الرمزي الذي جعلها أكثر قدرة على الوجود، كانت تحدسه منذ زمن بعيد : منذ رسمت غروب العالم، وتلك الأحلام المستحيلة للخلود المؤجل، فليلى العطار، ككل من مسه الجمال بالأسئلة والذهول، حاولت دمج المطلق بالجسد الملائكي لسكان الأرض، انها في الواقع رسامة لذاتها، وهي في الأخير لا تنتج بضائع أو سلعاً للاستهلاك: انها أنتجت الذي يستحيل تدميره. فقد ولدت كأنها لم تلد ولم تمت.
وربما لهذا السبب اختار لها القدر – المطلق أو الرب – هذا الاستشهاد الذي به قفلت على خيالها بالميلاد، انا لا أريد أن أتخيل موتها أو عناقها للشجرة والجذور والتراب إلا كلوحة فريدة صنعها الكون كله. وأنا لا أبالغ، فأنا، أتخيل الذي حصل، تلك اللوحات التي رسمتها الراحلة منذ ربع قرن: تلك الرومانسية المطهرة من شطط زوائد العاطفة، وإنما من البعد الآخر لعالم يتحرك داخل الروح، وداخل النفس أيضاً، فالفنانة طالما أحست بلوعة الجمال في صراعه بين المرئي والذي بلا حدود: بين أن يكون للمرء اسم، ورقم، وجسد، وحكمة .. وبين الآخر الذي اسمه الحياة في كثافتها اللازمنية .. وخارج كل الأرقام التي تطوق الإرادة الشفافة؛ إرادة الروح. وبعيداً عن الجسد الواهن والمرتبك والخاضع للتفكيك .. وبعيداً عن كل الكلمات التي تحجب عنا القول المستحيل .. كانت ليلى تبحث عن توازن غير معلن، وإنما، في الغالب، هو توازن المخلوق المطهر في عالم شديد العتمة، ملغوم بالقهر والشياطين، عالم المعادن والأشرار، ولهذا اختارت الجمال، في الرسم – كسلام ومحبة متسامية، بالرمز والغايات، كاستجابة لوعيها الشفاف، المسالم والعنيد .


* كانت ليلى العطار تعرف انها ستموت لتتطهر من شر العالم .. لا بحثاً عن خلاص لذاتها، واغترابها المدمى، بل لتكون المنديل الذي لم تمسسه الأصابع: عالم آخر غير خاضع لتبدلات الفصول أو الضوضاء، الأمر الذي جعلها تتوحد بفنها وترسم حتى آخر يوم قبل استشهادها، فالرسم كان لديها فيض وامتنان وولاء لقانون الكون .. بهذا المعنى فهي تنتمي إلى آخر المتصوفات الشهيدات، لأن الجمال عندها، وفي لوحاتها ضرب من الإيمان الروحي العميق غير القابل للتفسير إلا بذاته، وربما لهذا السبب لم تكن ترعب بالكلام، أو المجد الذي يصنعه التراب ؟ الأمر الذي دفعها إلى الصمت، أو الهمس، فقد كانت تتكلم ولا تتكلم، ترسم ولا ترسم .. تحلم ولا تحلم. كانت في الواقع مثل نجمة مرمية في المجهول، ولا أعتقد انها عاشت على الأرض، بل كانت إقامتها معناً ضرورة قاهرة لكي تمسك بالبستان البعيد، البستان الذي لا غروب فيه، ولا أعداء، ولا قهر، ولعل حزن ليلى سيدوم بعد فرحها قرون وقرون، ككل حزن مقدس، يخص جلال المثال، الذي في الكون، والعقل، والفضاء، هذا الجلال الذي أخذ يتهدم أمام الحاجات اليومية الباطلة، أي الباطلة لأنها تستهلك طاقاتنا كلها لتبعدنا عن الصدق، وعن كل إيمان بفن الحياة الجليل .. وكانت ليلى تبحث عن جوهر ليلى غير ألمرئي .. لأنها ، لهذا السبب ، ستتحول إلى) رمز( عرفاني خال من الشوائب، لأننا نحن – بمثالنا الروحي الداخلي – سنعيد خلقه، بمحبة إعادة بناء العالم ، ولأنها، من ناحية أخرى، لم تغب لتظهر بل ليكون غيابها الحضور الدائم للشفقة والرجاء، والفن كفيض أبدي غير خاضع للزوال أو شطط العقل الواهن. هكذا سنجد في رسوماتها هذا الولاء – الذي سببه الجمال والخوف والتقوى غير المفتعلة – للغفران ، وللمحبة التي ضربت المثل لجميع الأفكار الفذة التي دوّنتها المدونات المقدسة، أي كأنها كانت المثال لكل الأساطير والعرفانات والشطحات الطاهرة والمعرفة المعاصرة، لكل هذا المثال في مسعاه لتجاوز المحنة ولتجاوز كل اغتراب، فما الحياة إلا دار غربة. وما الحياة – حسب كل الديانات والفلسفات والعقول والأفكار والأمثال إلا هذا الممر – شبه الوحيد، لإجراء الحساب مع المطلق، مع الخلود، أو مع ما فوق كل التصورات – البصرية أو الذهنية، المحدودة، حتى هذا الوجود الاستهلاكي، عالم الترف والنفايات والقتل عن بعد والغدر والقبح والأمراض والعصابات السيكولوجية والتخلف والعنصرية والتطرف وكل مغالاة صادرة عن فقر الروح وعن عدم استيعاب قانون الدنيا الباطلة الفانية الزائلة، أقول حتى هذا كله، كانت الراحلة تدرك ثقله، وكيف لا بد أن يتحول إلى شيء آخر، وربما باستشهادها، هي الأخرى، ككل مبدعة غير متمسكة بالملكية الزائلة، أرادت أن تضرب مثلاً لكسر عنق الكبرياء الزائف، لصالح حياة قائمة على العدل؛ حياة لا يتعرض فيها المرء إلى ذل السؤال، أو ذل الحاجة أو حتى إلى الذل الذي دخل في خفايا أحلامنا. انها في الواقع لم تعد تحتمل الشر، شر الغزاة، وشر القتل عن بعد، فتحولت إلى طيف، إلى فكرة، إلى هواء حر يتجول في روح الكون.

* لقد كان فن ليلى العطار يوحي باغتراب، وبحزن عميق، الأمر الذي جعلها تتخذ من الطبيعة موضوعاً للخلاص، لكن الطبيعة لديها كانت جرداء: صحراء تمتد إلى المجهول: وكانت الأشجار جرداء وكان ألربيع غادرها إلى الأبد .. بل قد تبدو أعمالها كساحة حرب مهجورة بعد قتال قاس ومرير .. ووسط تلك الخرائب والصمت ثمة جسد يتجه نحو الشمس في غروبها، جسد يتلاشى أو يستسلم للكون، انها تذكرنا برومانسية معاصرة للشقاء الذي تعاني منه النفس في عزلتها الاجتماعية والنفسية والفلسفية، تلك الوحدة التي تدفع بالمتفرد إلى عزلة بلا حدود. لكنها في الواقع هي الوحدة، هي الاندماج بالكل، والتخلي – كما يفعل المتصوفة والزهاد – عن المتاع الزائد لبلوغ درجة اللا حاجة، أو المثال الذي يراود الملائكة والشعراء والعشاق العذريين. انها في هذا المسار تذكرنا بموتها. هذا العناق مع الأشجار الجرداء، مع الأرض المحترقة ومع الهواء الأسود، وهكذا ستموت ليلى العطار بأبشع سلاح يكفي لتدمير مدينة كاملة، بينما كان هذا السلاح قد جعل من ذكرى استشهاد العطار حقيقة عرفانية، فقد جعل من ليلى بؤرة ضوء في كل نفس تحمل همومها وخجلها ورقتها وإنسانيتها وعالمها الشفاف. لأن الحديث عنها وعن فنها هو الحديث عن الإبداع العراقي في هذا الزمن العصيب. وهو الحديث عن القيم ذات القدرة على الانبعاث. لأن ليلى – الرمز – هي ليلى الواقع، هي التي اكتملت رسالتها بهذا الموت، عند بلوغها درجة الاستشهاد بمعنى انها قد قدمت لعيدها هذا النذر، هذا العرس، وهو عيد ميلادها الآخر، وربما الأبدي.
وبعد رحيلها المأساوي، كتب الأستاذ شاكر حسن آل سعيد، كلمة جاء فيها: " حينما قدمت لمعرض ليلى الشخصي الأول في السبعينيات، كنت كمن يحدس أن في هاجسها الفني ما ينبئ بتضحية الفنان عبر مسيرته غير المعلنة. لقد قرنتها بـ " شهرزاد ألف ليلة وليلة. ثم مضت تتعمق في اكتشاف وعيها الإنساني في الفن ردحا من الزمن وبمنطق رؤيتها، باحثة عن مدى تأصل المولود بحياته الجنينية وهي بعد أن قطعت بعد ذلك شوطا ًفي مسؤولياتها الفنية كمؤسسة لغاليري (الرواق) ومدير للمتحف الوطني للفن الحديث.. وأخيرا : مديرا ً عاما ً للفنون في وزارة الثقافة والإعلام، كنت أواكب تضحياتها أيضا ً، بل واسهم معها في مسؤولياتها، من جانبي ".

وشخصيا ً، كنت استعيد كلمات السيد (خافيير بيريزديكولار)أمين عام الأمم المتحدة ، وهو يقول لها، قبل رحيلها بسنوات: فنانة.. ومديرة عامة..وجميلة جدا ً! لكن ليلى لم تترك إلا الذي سيتجاوز الرمز، والثناء. انها لم تترك الا الذي ينمو في البذرة: سر تكّون الروح، وليس تكّون الزوال.
************

* ولدت في بغداد ـ 1944
ـ تخرجت في أكاديمية الفنون الجميلة ـ بغداد 1965.
ـ اشتركت في معرض جماعة ادم وحواء عام 1967 وكذلك بمعرضها لعام 1968.
ـ أقامت معرضا ً شخصيا ً بنادي العلوية عام 1971.
ـ، وأقامت معرضها الثاني في قاعة جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين عام 1973.
ـ عملت مديرة للمتحف الوطني للفن الحديث.. وقاعة الرواق.. وقاعة بغداد.
ـ عضو في نقابة وجمعية الفنانين العراقيين.
ـ عملت مديرا ً عاما ًلدائرة الفنون.
ـ رحلت متأثرة بسقوط صاروخ على دار شقيقتها سعاد العطار الذي كانت تسكنه الراحلة ـ بعد أن كان دارها قد تعرض للقصف قبل عامين ـ عام 1993.

ليلى العطار



*ليلى العطار* فنانة تشكيلية من العراق أستشهدت في بيتها عام 1993 أثر سقوط صاروخ أمريكي على بغداد. دار الحديث ايامها بان سبب الاستهداف هو قيامها رسم صورة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش (الاب) على مدخل أرضية فندق الرشيد مما أثارت سخط وحفيظة الحكومة الأمريكية.
* من مواليد بغداد عام 1944.
*تخرجت من أكاديمية الفنون الجميلة للسنة الدراسية 1964_1965.
*أقامت خمسة معارض شخصية داخل العراق
.
*شاركت في عدة معارض داخل وخارج العراق
.
*فازت بجائزة الشراع الذهبي في بينالة الكويت السابع.
*كذلك شاركت في معرض بينالي القاهرة
عام 1984.
*شغلت منصب مديرة المتحف الوطني للفن الحديث ثم مديرة مركز صدام للفنون.