الجمعة، 19 يونيو، 2009

المرأة ومشاكلها الوجودية , لدى التشكيليات العراقيات


ان إفراد جزء خاص من هذا الموضوع , مخصص للفنانة العراقية , والتي لعبت دورا كبيرا في تطوّر الفن التشكيلي العراقي كما سنرى فيما سيأتي , لاينطوي على تعريف آخر للفن التشكيلي أو تقسيمه الى فن رجولي وفن انثوي الا اذا طرح نفسه ضمن هذا السياق , أي باعتباره فنا يهتم بما يشغل الفنانة نفسها باعتبارها امرأة لها أولوياتها وطرقها الخاصة في طرح مشاكلها الوجودية ورؤيتها و كما سنلاحظه في الفصل الموسع عن الفنانة الراحلة ( ليلى العطار ) . عدا ذلك فان الامر يتعلق بمستلزمات التبويب التي لا غنى لنا عنها.على ان هذا لايلغي حقيقة مهمة هي : ان المنجزات الفنية للفنانة العراقية كانت على الاغلب تحمل بصمات واهتمامات انثوية , سواء في الموضوع أو في الاسلوب أو في كليهما معا , اما ما اقصده بالاسلوب فهو باختصار اللمسة النسائية التي تسم أعمال المرأة الفنانة والتي تسم اغلب اعمال النساء الفنانات والتي تشعرك بان المرأة موجودة حتى وان كان موضوع اللوحة غير ذي علاقة بالمرأة . ان الامر يشبه انك تدخل بيتا فلا ترى فيه امرأة ولكنك تستنشق عطرا ضوّاعا , وتجد زهورا وُضعت توا على مائدة الافطار , وتجد ان نوافذ التهوية مشرعة فُتحت للتو ,. فتقول : المرأة كانت هنا ! .والاعتراض الذي قد يثار قد ينصب على الجانب التالي : ان الفنان الرجل هو الآخر قد تناول موضوع المرأة . فلقد كانت المرأة الموضوعَ الأثيرَ لدى العشرات من الفنانين التشكيلين , فالمرأة كانت على سبيل المثال لا الحصر , الشغل الشاغل لبيكاسو . غير ان من الواضح ان تناول بيكاسو لموضوع المرأة لم يكن باي حال من الاحوال يتماشى مع رؤية المرأة لنفسها , او طريقتها لادراك ذاتها . يتناول بيكاسو المرأة في لوحاته كلعبة جمّلت حياته , وهي لم تلعب في حياته الواقعية اكثر من هذا الدور. يقول بيكاسو : " ان المرأة اما ان تكون ملاكا , او ان تكون ممسحة " . هذه العبارة هي التعبير الامثل عن استهتاره , حيث مثلت النسوة في حياته الحالتين معا , وتعامل مع نساء حياته الكثيرات من هذا المنطلق . لقد استبدل بيكاسو النساء كما تُستبدل القمصان .( انظر " حياتي مع بيكاسو" لفرانسسواز جيلو )ولكن هذه الصورة التي يعطينا إياها بيكاسو ستكون لوحدها غير مكتملة لتحديد موقف الفنان ( الرجل ) من المرأة . فـالرسام النمساوي ( كلمت ) سما بالمرأة الى مستوى تشكيلي رفيع وزينها واعطاها تكوينا فريدا يعكس عشقا منقطع النظير , ولكنه في الوقت نفسه حولها الى ديكور زخرفي . وكانت لوحة ( هويسلر ) الشهيرة " المرأة البيضاء" التي صوّر فيها حبيبته ذات الشعر الاحمر بردائها الابيض المتألق , مثالا للنقاء والرقة , وعكست لوحات( مونغ) الخوف منها والفشل في إقامة علاقة طبيعية معها , وتناول فان كوخ موضوع المرأة بحيادية , بالرغم من ان حياته كانت مثالا للاخفاق في العلاقة معها , وكان رفض (كاي) لحبه احد اسباب تكريس نفسه للفن فيما بعد , (اما موقف الفنان العراقي من هذا الموضوع ممثلا بفاروق حسن وفنانين آخرين فقد تناولناه في الجزء الثالث من هذه الدراسة).وعلى الرغم من اختلاف التناول الا ان الحقيقة تبقى : أن الفنان ( الرجل ) تناول المرأة , سواء سلبا أو إيجابا , باعتبارها مكملا لا غني عنه لحياته أما مشاكلها الوجودية فلم تكن همه الشاغل , فان الرفعة الذين صوّر بها الفنانون المرأة مثل عمل ( هويسلر ) الرائع آنف الذكر, "المرأة البيضاء" قد كانت مرتبطة لديهم بالوله والحب , ما ان ينتهي الحب , حتى ينتهي الاهتمام بالمرأة ككائن . كانت المرأة موجودة في فن الفنان الرجل كموضوع أو كدافع غير معلن للابداع . فما هو اذن موقع الرجل في فن المرأة الفنانة ؟ هذا السؤال تصعب الاجابة عليه بصورة محددة , فاذا كان من المنطقي القول ان الرجل موجود بالضرور في فن المرأة , وهو استنتاج منطقي اكثر مما هو اجابة ملموسة , فان السؤال المترتب : ما هي الصورة التي عليها الرجل في فن المرأة باعتباره عنصرا خفيا ؟ وكيف يصار الى تناول صورة الرجل والذي هو الجلاد والسجان وهوالحبيب في نفس الوقت ؟. كان الرجل موجودا كحارس لـ ( التابوات ) في وعي المرأة ولاوعيها . ان قرونا متعاقبة من الهيمنة الذكورية قد كرست نفسها بأكثر اشكالها بشاعة : تبني المرأة احيانا للقيم الذكورية باعتبارها حقائق نهائية وبديهية . وكان الابداع هو المنتَج الاكثر شفافية لما يختفي وراءه . لقد كان يَشي ( وما يني يفعل) بكل محاولات التمويه أو محاولات نكران غير المصرح به .وبالرغم من ان الفنانة الراحلة ليلى العطار لم تنتج الكثير , ربما بسبب انشغالها في الغالب بمهمات ادارية , كان آخرها المدير العام لدائرة الفنون , وهي مهمة ليست بالسهلة ابدا , خصوصا في هذين العقدين موضع البحث , واللذين كانا زاخرين بالنشاطات الفنية بمختلف اشكالها , وبالاحداث الدرامية بكل بشاعاتها. الا ان هذه اللوحة المرفقة مع هذه الدراسة كانت كافية كاساس للبحث في اسلوبها وعن همها الشاغل وربما حزنها الدفين. ودلالات هذه اللوحة فائقة التعبير تتجاوز الهم الذاتي أو الشخصي للفنانة , ممارسة دورا اكثر عمومية من مجرد شكوى ذاتية أو مونولوج , لتطرح هما اكثر عمومية : انه الهم الوجودي للمرأة ككل , كجنس . ازمة الانسان المعاصر في لوحات ليلى العطار تندمج شخوص ( ليلى العطار) , وهن في الغالب نساء منفردات يحتللن مركز اللوحة , في الطبيعة البدائية ,حاملاتٍ الوان هذه الطبيعة , لاينفصلن عنها الا بخط رهيف : انه الحلم بالاندماج بعالم مصنوع وفق الرغبة ومغادرة الواقع الممزِق المرهق , .. مغادرة الاحكام والقواعد ,.. الضجيج والفوضى , نفايات العصر برمتها و الاختلاء بالطبيعة البكر , انها الطبيعة بمعنى الانفراد مع الذات ومع الخارج والاستقرار في الحلم , لا يمكن الحديث عن سد أو تقليص فجوة الذات مع الواقع بالقدر هذا , فالرحلة الى عالم البدائية تبقى ذات رومانسية آسرة ,..حينذاك كانت الحرية المطلقة هي السمة المهيمنة , لاقيود ولامحرمات , حينذاك حيث كان الانسان قد انفصل عن الطبيعة بالكاد . الحلم هنا هو التخلص المؤقت , العابر من عالم التناقضات والاحكام والقيود والممنوعات , واللوحة في هذا السياق هي محاولة تخليد الحلم , اعطائه ديمومة , تحويل اللحظة الى أبدية. يطوق المرأة الماثلة في مركز اللوحة خط خارجي ( contour ) , هو من الرهافة بحيث يفي بالكاد بغرض فصلها عن المحيط , هذا الفصل الذي يبدو كما لو ان الفنانة مجبرة عليه لكي تعطي لنساءها كينونه ووجودا , وهي كينونة ليست مستقلة تماما وصلبة تماما بل ذائبة في المحيط البدائي الذي يذكر المرء بفجر البشرية , المعادل الحلمي للواقع القاسي الذي لايستجيب , كما الحلم , للرغبة . هذا الذي يعطي فسحة الهروب من الاستلاب اليومي , ويرحل بنا , خلاف المنطق القاسي للواقع , في الزمان والمكان متى ما وحيثما شئنا . ففي الحلم بأمكاننا ان نجعل الاشياء شيئا واحدا وفيه يمكننا التخلص من المستحيل وفيه ننفس عن اخفاقاتنا في الواقع وبه ننال ما استعصى علينا.ما يجمع ( ليلى العطار ) و( سعدي عباس ) هو شخص أو مجموعة أشخاص في مركز اللوحة ( انهم , لدى سعدي عباس , رجل واحد أو مجموعة رجال) . فالشخوصية وأزمة الانسان المعاصر هو ما يجمع بين ليلى العطار وسعدي عباس , وهو, في الوقت نفسه, الشئ الذي يفرق بينهما سواء في الطرح او في الحل . شخوص سعدي عباس ممزقة قد تشققت من ذاتها كما تتشقق ارضٌ جفت توا , انها مشققة بقسوة ارضية , وبواسطة خطوط مائلة تزحف قطاعاتٌ منها في هذا الاتجاه او ذاك تشبه تشققات الطبقات الصخرية المائلة بتأثير الاف السنين من التعاقب اللانهائي للمناخات المتغايرة رامزة الى ازلية ازمة الانسان , ولكنها مع ذلك متماسكة وصلبة, وليست كما هي علية شخوص ليلى العطار أثيرية ذائبة في المحيط او تكاد.يحل بيكاسو أزمة الانسان المعاصر مع ذاته ومع محيطه بطريقة اقتحامية , انه يحطم العالم الخارجي ويكتسح المشاهد متلذذا بالصدمه الناشئة عن ذلك كما يتلذذ الطفل بتحطيم لعبه , ويجد حريته القصوى في صنع عوالمه من الحطام الناتج ,انه يؤسس عمله على الدهشة التي لاتترك متسعا من الوقت للتفكير, قاذفا في أتون العمل دفعات من التجديد الكاسح كتعبير عن طاقة لا تستنفذ من البحث والتجديد. عالج ســعدي عـباس انساننا المعاصر بواقعه طارحا ازمته سكونيا كحالة قائمة عديمة الافقفالتمزق الذي يطـــال شــــخوصه هو نفس التمزق الذي يطال الافق , بذا يدمح الفنان تمزقات الانسان المعاصر مع تمزقات محـيطه , أنــها الآلة المهيمنة للمعاصرة , ماكنتها الجهنمية التي تطبع كل شئ بطابعها حيث تذوب الفردية التي لم تعد سوى حلم في ايقاع العصر الجارف. ليس الواقع بقادر على توفير أي مهرب من ايقاع العصر بضجته الرهيبة ولكن الفن قادر على ذلك . عالجت ليلى العطار الازمة بالهروب الى واقع مصنوع مفترض وليس قائما , ففي الوقت الذي يعرض علينا سعدي عباس رحلة الذهاب تناولت هي رحلة العودة في الزمان والمكان , الى طفولة العالم , انها هروبية ( escapist ) وجدت ملجأها في العالم البدائي لبطلتها , فأصابع بطلتها تكاد تتبرعم مع الاشجار المحيطة. هنا نرصد عودة الفنانة عبر بطلتها الى الزمن الغابر منكفئة بدون دوران آلة( اج. جي. ويلز)... فتحت اشعة شمس فجر البداية البشرية ذات اللون الشاحب تقف بطلة الفنانة طارحة على المتلقي اشجارها الجافة جفاف الحياة المعاصرة امام الخصب الانثوي الخالد العائد الينا من الدهور الغابرة .حين تأخذ ليلى العطار بيد بطلة لوحتها مقترحة عليها عالما مثاليا من صنعها هي , إنما بذلك تقترح على نفسها عالما بديلا , هشا وهميا غير ملموس ولكنه مستوفٍ لشروطها المغيبة أو المسلوبة , فانها في نفس الوقت لاتجرؤ أن تلج الى هذا العالم , انها تقف عند تخومه , .. هذه هي حدود الحلم ,.. ان بوسعنا ان نصدق حدا معينا من المقترحات التي نطرحها على انفسنا , فبطلة اللوحة لدى ليلى العطار أولت لنا ظهرها ناظرة بسكونية الى العالم المقترح بوجل وخوف وتردد , وهي اذ قبلت العالم المقترح عليها من حيث المبدأ الا أنها بقيت واقفة امامه بخزين من الحزن المعذب والتردد والخوف , الذي يمت بصلته الى الواقع وليس الى الحلم , هل بوسعها ان تقبل عالمها المقترح او ترفضه وهي , في الوقت نفسه , مرتبطة بوشيجة صانعها ( الفنان ) وخاضعة لسطوته وعقده وخوفه ؟؟ فبين اليد التي تحمل الفرشاة وقماش اللوحة يقع الحد الفاصل الصلب بين الواقع اللاذاتي المشترك المرتبط بألف وشيجة بالعالم الخارجي الملموس وبين الواقع الذاتي المصنوع بذاك القدر من الحرية الذي نستطيع ان نوفره آنيا في لحظات التألق الابداعي.أن ذهابنا الى عالم نقترحه لذاتنا , حتى لو حددنا له مواصفات نرتضيها , لا يشبه على أية حال سفرة " الروح الكلي" الهيغلية المعزولة عن أي وجود مادي او بشري وغير المدركة لذاتها , بل هو محاولة لقطع وشائج لايمكن ان تقطع مع العالم الراهن الواقعي نعرف اننا عائدون اليه نعيش احداثه , غير عارفين على وجه اليقين فيما اذا كان الواقع هو الحلم ام ان الحلم هو الواقع. واقفين على حافة الانفصام. * * * *شغلت ليلى العطار , قبل رحيلها المأساوي , وظيفة مرموقة وهي المدير العام لدائرة الفنون , وكانت قد شغلت قبل ذلك مركز مدير قاعة الرشيد , ومن ثم مدير قاعة الرواق , التي لعبت قبل أن تغلق بقرار من وزارة الثقافة والاعلام آنذاك , دورا هاما في الحركة التشكيلية العراقية , وأرّخت معارضها الفردية والجماعية التي أقامها طليعيو الفن التشكيلي العراقي لواحدة من أهم مراحل تطور الفن التشكيلي في العراق , أن قيام الفنانين التشكيلين بمهام إدراية , وخصوصا على هذا الجانب من الأهمية مما يتطلب التكريس والانصراف عن الإبداع , كان دائما على حساب قدرتهم الإبداعية .توفيت ليلى العطار إثناء القصف الذي قامت به الولايات المتحدة في العام 1993 وإنتشلت من تحت أطنان من الخرسانة المسلحة , وبذا رحلت واحدة من الفنانات التشكيليات اللواتي لعبن دورا مهما في الحركة التشكيلية العراقية الى جانب العديد من الأسماء اللامعة الأخرى .رحلت ليلى العطار تاركة بطلة لوحتها في وحدتها الموحشة تحيط بها أشجارٌ جافة وشمسٌ شاحبة تعكس المأساة المزدوجة : أن تكون هي , وفي آن معا : فنانة وامرأة.* * * كان تطور الاساليب الفنية في المجالات الابداعية كافة : السينما والرواية والفن التشكيلي ...الخ يقوم على مبدأ الرفض لمدرسة متطرفة , من اجل إقامة الضد المتطرف . فالاتجاه العاطفي المغالي ( over sentimental) أدى الى أن يقوم الساخطون عليه بتأسيس الفن الذي يتخلى كليا عن العاطفة بل وان يقوم بازدرائها , وهذا ما كان عليه فن القرن العشرين بأغلبيته الساحقة ممثلا في فن بيكاسو كأفضل تمثيل , ولكن هذا الفن لا يلبث ان يتغير مُبدياً هذه المرة اعتراضه على التخلي عن العاطفة داعيا الى العودة اليها واطلاق المشاعر من عنانها . فـ (ميليه) الذي عاش في القرن التاسع عشر و الذي صوّر حياة الفلاحين واطفالهم وعوائلهم والعلاقات الحميمية بينهم وقيامهم بالصلاة والدعاء قبل نثر البذور للموسم القادم , قد تم الرد عليه بقسوة بواسطة الفن والذهنية الباردة لاوائل القرن العشرين . ولكن العودة الى العاطفة ما لبثت ان تعززت في الفن اللاحق إنما على مستوى شكلاني مختلف وباطار جديد وليس مجرد عودة ماضوية . فالواقع يطرح علينا هنا مثالا جدليا ( ديالكتيكيا ).ان الرجولة في الفن الانثوي ليس فيها ما يدعو الى الفخر , فهنا لدينا مثالٌ آخر ( وليس أخيراً) على وقوع المرأة مرة اخرى في حبائل الفخ الذكوري . ان تسلل الفن ( الذكوري ) الى فن النساء , والذي يتم تبريره تحت يافطة ان الفن واحد , هو خدعة يمارسها الرجال وتنطلي بسهولة على النساء . اذ لاتوجد غضاضة في ان تطرح الفنانات انفسهن و قضياهن في لوحاتهن كنساء سواء في الهم أو المحتوى الذي يعالج القضية الوجودية للمرأة , أو في الاسلوب ذي اللمسة الرقيقة , والعاطفة والرقة والانوثة , أو في كليهما معا.الجسد الانثوي , مصدر للتجريد رسمت سميرة عبد الوهاب تجريدات منفذة على كانفاسات كبيرة ذات تناغم لوني يتغاير من لوحة لاخرى , كان ثمة امتدادات مائلة ( diagonal) تقترح جسدا ممتدا . استخدمت سميرة عبد الوهاب طبقة من الورق الرقيق لتغطية الكنفاس وقامت بتجعيد الورق للوصول الى أعطاء ملمس خاص لسطح اللوحة وفرشت ألوانها بتروي وعناية محافظة رغم تجعدات الورق على نظارة اللون وبريقه . كان الغوص في تمويهات الفنانة يشبه مغامرة الباحث عن لُقىً صغيرة في كهف لايحتوي حتى على بصيص نور تمثل ميلا مموها بغموض مقصود إنزوى بفعل تراكمات التابوات التي تجاوزت القدرة على استيعابها وتصنيفها , فكانت اللوحة ذات سكونية استعراضية تنتظر حدوث معجزة استهلكت اعمارا متعاقبة .عرضت سميرة عبد الوهاب اعمالها في المعارض الجماعية بشكل خاص وقليلا ما أقامت معارض شخصية في العراق , ولكنها اقامت معارض في الدول العربية ودولا اخرى . وكما ذكرنا في الجزء الاول من هذه السلسة فانها في سنوات التسعينات بشكل خاص قد امتلكت وادارت قاعة بغداد الانيقة التي عرضت للعديد من فناني الحداثة في العقدين الماضيين . وكان ضمن المعارض التي نظمتها معرضا للفنان شاكر حسن آل سعيد . ولكننا بصدد معرض آخر نظمته القاعة طالما كان هذا الفصل مخصصا للفنانات من النساء , وهو المعرض الشخصي للفنانة الراحلة نهى الراضي والتي صدرت لها قبل سنوات قليلة مذكرات شيقة رشيقة الاسلوب تعرفنا بالراحلة نهى الراضي باعتبارها ناثرة مرموقة .عرضت الراضي في هذا المعرض إنشاءات وتكوينات من مكائن قديمة ومحركات مراوح سقفية مستهلكة على ارضية القاعة وفي خارجها وقد جمعت في تكوينات قصد منها ان تكون مترابطة بايجاد علاقات تركيبية في مساحات من الارض شغلت ايضا المساحات الموجودة امام قاعة بغداد وقد طوّقت حقول العرض الارضية بخطوط من الحصى وفرشت بالرمل . كان هذا المعرض عملا غير مألوف بالنسبة الى المشاهد العراقي ولكنه كان , مهما اختلفت الاراء مؤشرا مبكرا على التنوع والتغيير. أما أعمالها اللاحقة , وخصوصا أعمال الكرافيك , والتي أنجزتها قبيل رحيلها فكان أعمالا ذات طابع آخر تماما . اما شذى الراوي والتي عرضت في تلك الفترة اعمالا صغيرة في الغالب , فقد ركزت على موضوعة المرأة المحاطة بعيون الرقباء وبغض النظر عن التكنيك المعتمد من قبل الفنانة فانها بقيت تعالج موضوع الحذر المزمن للمرأة , جاعلة اياها في مركز اللوحة , وبالرغم من حداثة اسلوبها القائم على دوامات من الخطوط والالوان الذي يشير الى الحذر والتحفظ الا ان الملاحظ يستطيع ان يرى ان المرأة التي تشغل مركز اللوحة والتي تحيط بها وجوه الرجال راغبة أو منذرة , قد جعلت لوحتها الى جانب اشتراكها في مع سميرة عبد الوهاب وليلى العطار وبتول الفكيكي وفنانات أخريات بموضوع الهم النسائي , أكثر ارضية و بدون خيال محلق أو تجريد يعتمد التكوين الجسدي المنسق أو الحلم , ان امرأة شذى الراوي أمرأة واقعية أحاطت نفسها بسياج الحذر والتحفظ الملازم لها كظلها في حلها وترحالها.بتول الفكيكيالمراقب في الخلفية !الوجه المثير للفضول والفائق الفتنة لبطلة لوحة بتول الفكيكي , يرافقه , فيما يشبه الصدمة , الوجه الرجولي الغامض في خلفية اللوحة , هل يقول : حذارِ ؟! ذلك الوجه الذي يتظلل نصفه مضفيا على مرمى الفنانة بخصوص مقاصده غموضا وريبة , فإن كان مفتونا بها , فان ليس بوسع احدٍ ان يلومه على ذلك , ذلك ان الذي رأى هيبتها الفاتنة لا يمكنه ان يُخطئ في تشخيص عائديته . هل الماثل في الزاوية العليا , الممتلئ سطوة وجبروتا والناظر الينا بطرف عينية , أي الى المشاهد شزرا محذّرا , هو حارس التابوات آنف الذكر ؟. فعلى خلاف فتنة الوجه النسائي , فان لهذا الوجه الرجولي غموضا , بحيث يحار المرء في المهمة التي انيطت به أو التي اناطها لنفسه . فإن لم يَكُ هو حارس التابوات العتيد فانه لاشك أحد المتربصين المحمولين أبدا في نفس الفنانه والذي يُحس به كالظل , حتى وإن لم يُرَ , كتكريس من تراكم القرون لسالبي الحرية وسارقيها الذين تصدروا الساحة.فعلام تحرس بتول الفكيكي فتنة بطلتها مُرَوّعة و مُرهِبة مشاهديها ؟ وعلام لاتتركنا في بهجة التأمل للوجه الساحر؟ واخزة تأملنا الصموت . لا توجد لدى الفنانة أدنى نية في ترك الجمال مصرحا عن نفسه نقيا تلقائيا , ملتقية بذلك مع ليلى العطار وبطلتها الواقفة على حافة الحلم . هذه اللوحة هي بشير متشائم من ان زمن الانعتاق مايزال بعيدا جدا وان الحرية المبتغاة ليست شيئا خارج ذواتنا نترقّب مقدمَه كي يهبط علينا كما يهبط المطر مدرارا على ارض جافة . بل انها ـ أي الحرية ـ كما سبق لي وكتبت عن قصائد ( ابراهيم البهرزي ) التواق الى الحرية و عن قصيدته "الطيوري ": " الحرية هي مخلوقاتنا التي ينبغي ان نتعلم كيف نصنعها . وان الهروب أو تغيير المكان لن يلعب سوى دور ضئيل , أو انه , بالاحرى , عديم الدور في منحنا الحرية : ان ذلك الذي لم يدرك حريته في بلده سوف لن يكون بمستطاعه ان يعثر عليها في مكان آخر".يضع الرجال والنساء من الفنانين مثالهم في وجه غامض مضلل كما تفعل بتول الفكيكي . أو موليا لنا ظهره , لانعرفه ولكن , لا مفر , نستنتجه كما فعلت ليلى العطار. أو بدون ملامح ولكنه جميل , فيما يشبه المفارقة (paradoxical ), كما فعل فاروق حسن . أو ( نساء لنا ) و( ليس له ) أي ليس للفنان , كما في لوحات علي تاجر وشاكر الآلوسي , فالاول يتجنبها ويخشى سطوتها , والثاني حيادي ازاءها لسبب ما . " هذا ما لدي " يقول عارضاعلينا ما لدية .وتكرر الحكاية نفسها متخطية الزمان المكان , كما عرضنا في سطور سابقة للموقف من المرأة ممثلا في : كلِمت وهويسلر وبيكاسو مع فوارق جوهرية وتمايزيّة . تضاف لها المحرمات الشرقية الخالدة.سعاد العطار وعفيفة لعيبيالطبيعة البكر , لماذا الاصرار على أنها الحاضنة لحرية المرأة ؟في النصف الثاني من القرن التاسع عشر , دّوخ فنان فرد الفنانين والنقاد على حد سواء , انه هنري روسو , لقد اسس لوحدِه مدرسة موازية للانطباعية التي رفع لوائها جمهرة من ابرز فناني ذلك العصر . فالى جانب السؤال اللغز و المثير للجدل عن مدى إدراك روسو , الساذج البدائي حتى في حياته الشخصية , لمنجزاته الفنية , والتي كانت ذات نفوذ واضح على فن القرن اللاحق , يواجهنا السؤال الذي تكرر باستمرار من اين استمد روسو نباتاته وزهوه الوحشية الغريبة ؟ لقد بحث النقاد والباحثون في جغرافيةالارض كلها ولكنهم لم يبحثوا في المكان المناسب أبدا والقادر على إعطاء الجواب الا وهو : الخيال الخلاق .باسلوب مختلف ولكن بمحيط متشابه من حيث الجوهر , ترحل كلتا الفنانتين ـ سعاد العطار وعفيفة لعيبي ـ ببطلة لوحاتهما الى طبيعة بكر وتتشابهان مع ليلى العطار في طرح الطبيعة البكر الوحشية , مضافا لها الوحدة والاختلاء بالذات أحيانا , ومع شريك أحيانا أخرى , باعتبارها المكان الملائم لحل المشاكل الوجودية للمرأة أو على الاقل التخفيف من وقعها , المحيط لدى ليلى العطار عزز المأساة , أشجار جافة وشمس شاحبة , انه هروب لم يؤدِ في كل الاحوال الى الحل كما راينا . في لوحة بتول الفكيكي يتشابه المكان ولا يلعب أي دور , فالرجل موجود في كل الاحوال , والدور المعطى له ـ أي للمكان ـ بدا دورا أزليا سرمديا ـ أو عديم القيمة و خارج التاريخ والظرف والمكان , سلبيا كان , كما حللنا , أو إيجابيا كما قد يرى آخرون.والناظر للطبيعة المحيطة ببطلة سعاد العطار الوحيدة أو التي بصحبة رجل ما , عطوف رقيق حنون , على الضد من رجل الخلفية الغامض المنذر لبطلة بتول الفكيكي , سيجد ان ملامح البدائية المستردة من طفولة الارض ونباتاتها ذات صلة ما باجواء هنري رسو وكذلك الالوان الخضراء الزيتونية المهيمنة تسعى الى تعزيز مفهوم الحرية ومحاولة اضفاء الاطلاق عليه , فكما عالجنا نفس الميل لدى ليلى العطار والذي يرتئي انه لا حرية الا في البدايات موغلة القدم ، نجد الميل نفسه لدى سعاد العطار والكثير من الفنانات الاخريات , كما تفعل ميسلون فرج , على سبيل المثال لا الحصر.تجمع ميسلون فرج شخص المرأة بالطفولة والطبيعة معا , طفولة الانسان وطفولة الام ـ الطبيعة, في وحدة تم إحكام ترابطها, ( من القائل : العبقرية هي طفولة مستعادة ؟) فاللوحة لديها : طفولية الموضوع طفولية الاسلوب , تطرح مقترحا : اعيدوا الي طفولتي وخذوا ما ترتب على النضج , و الطفولة لديها ليست مجرد انكفاء متقهقر في الزمان , بل العودة الى المكان المفقود المفتقد , المرئي بعين الطفولة , والمنقّى ، تأسيسا على ذلك ، من كل عيب , حين كانت تتزيا بزي عروس واضعة احمر الشفاه الذي أخذته خلسة من أحد ادراج الزينة والتي كانت دائما و ابدا مثيرة للفضول والعائدة للنساء الناضجات واللواتي ربما كنّ في هذه اللحظة يتطلعن خلسة بود وعطف ضاحكات لسلوك البراءة الطفولية وكما ينبغي أن يكون عليه المكان الصحيح فـإن ثمة نخلتان على الجانبين وثمة ايضا شلال لوني من اللازورد يحيط بها كغلالة من حلم يتوهج متألقا مقتربا منها ضافيا القا من نور على البراءة .* * * *ان دور وداد الاورفلي , الذي تجلى بأسطع صوره , في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي , يتخطى دورها كفنانة تشكيلية بارزة في الساحة التشكيلية العراقية , فقد كانت السيدة الاورفلي بحق احد الرموز الثقافية للبلد فبالاضافة الى مشاركاتها في اغلب التظاهرات التشكيلية العالمية المقامة في بغداد , والنشاطات الفنية في الدول العربية , فان القاعة التي تسمت باسمها قاعة الاورفلي , والتي كانت كما ذكرنا في الجزء الاول من هذه الدراسة , هي القاعة الاولى في العراق غير المملوكة للدولة والتي مارست ابان تلك الفترة دورا رياديا في الحركة التشكيلية العراقية . كانت الافتتاحات التي تقام للمعارض الشخصية والجماعية من قبيل معرض الصيف والربيع والذي كان يقام سنويا , وكذلك العروض المسرحية والمحاضرات والندوات , كانت كلها احداثا ثقافية بالغة الاهمية.في لوحاتها التي عرضتها الاورفلي في اغلب المحافل والمناسبات التشكيلية , في هذين العقدين تتغزل وداد الاورفلي ببغداد , ليس ببغداد الكائنة , بل بغداد فيما ينبغي ان تكون عليه , وما تستحقه عن جدارة , القبب اللازوردية التي تترامى حتى الافق المصطبغ بالشمس الغاربة , والنخيل والاهلة وزخارف زينت حيوات الالاف والملايين من المفعمين بالامل والرافضين التخلي عن الايمان بالمستقبل , وبالرغم من كل تجولاتها وتطوافها , كانت هذه الفنانة المفعمة بالنشاط تعاود الامل والايمان والعمل باصرار على إعادة ترميم الحياة التشكيلية ومؤسساتها .والقبب المحاطة بالنخيل للحلم البغدادي الملحاح كان الشغل الشاغل لفنانة اخرى هي الفنانة سلمى العلاق , القبب المنقوشة بالوان قزحية غلب عليها هي الاخرى اللون اللازوردي والمشغول بعناية وشفافية .هناء مال اللهالعقل يقود اليدينفي الموضوع الحالي بين يدي القارئ بأجزائه الستة , لم الجأ أو اكترث لماضي الفنان وشهاداته ودراساته الا ما ندر , وانما طبقت منهجا يقوم على تحليل نتاج الفنان ـ اللوحة , في طريقة للاحتجاج على المساعي أو الميول المتزايدة , والمنقولة الينا من إتجاهات متأخرة معمول بها في تقديم الفنانين في الافتتاحات وكذلك في النقد والأرخنة للفن التشكيلي الاوربي يقوم على التركيز على حياة الفنانين الشخصية والشهادات والمراكز الادارية والتدريسية والجوائز والمكافئات بدلا من الشئ الاكثر حسما : النتاج الفني ـ اللوحة. وأقول لنفسي : لوكان فان كوخ أو غوغان أو منعم فرات على قيد الحياة لرفضت اكثر القاعات تواضعا هنا في المانيا أن تعرض أعمالهم , ذلك اذا لم تقم بركلهم خارجها . وقد إنطوى هذا المنهج على صعوبات لا مفر منها وخصوصا تلك المتعلقة بتوفر ما يكفي من اللوحات في الوثائق وصور اللوحات المنشورة على صفحات الانترنت وما هي منها الاكثر تمثيلا للفنان من غيرها.ان لوحات هناء مال المعززة بالكثير من التصريحات والشروحات والتبريرات النظرية من قبلها او من قبل غيرها من النقاد والمعلقين , لم تكن لتخدم اللوحة دائما , وانما كانت في أغلب الحالات تثير الكثير من الضباب والتشوش على القدرة على تحليل العمل دون مؤثرات . ان اقل ما يقال عن الالحاح في الحديث عن العمل المنجز انه يقلص هامشا مهما وضروريا متاحا للمشاهد والمراقب من تنوع التأويل وإعادة الاكتشاف لعناصر لم يكن بمستطاع حتى الفنان الانتباه لها لانها موجودة في لاوعيه , وان تعدد امكانيات التأويل وتنوعها هو في نهاية المطاف في صالح اللوحة وليس ضدها .فتوضيح دلالات الرموز التي تحتشد بها لوحات هناء مال الله ومدى عراقة هذه الرموز والاشارات أو الدلالات الكامنة فيها باعتبارها رموزا اشارية , او ارقاما وكلمات ( لها سطوة وتأثير على الواقع) لاتعنينا سواء اتفقنا مع مفاهيمها الميتافيزقية أو اختلفنا ـ وهذا ما أفعله أنا ـ , كما لايهمنا الشكل المنفرد لهذا الرمز أو الاشارة , وان ما يعنينا هو : العلاقات الترابطية التشكيلية الموجودة بين هذه العناصر والتي ينبغي أن تبرر نفسها تشكيليا وليس نثريا أو فلسفيا . فلو قمنا إفتراضا باخذ هذه العناصر التي تعد بالعشرات والمئات وقمنا باعادة ترتيبها عشوائيا لكان بالامكان انجاز عشرات اللوحات من نفس العدد من العناصر والتي احتفظت بمغزاها المنفرد ولكن اللوحة في هذه سوف تتغير تشكيليا وتصبح لوحة أخرى . لقد أحسنت هناء مال الله التوليف بين العناصر , وهذا هو حجر الزاوية في عملها وسر نجاحه , ولايكمن السر في العنصر المنفرد ودلالاته الفلسفية والنثرية , واذا ما سألني أحد ما نصيحة , سأقول له : لاتتكلم كثير عن اللوحة ! دعها هي تتحدث وتقيم حوارية مع مشاهدها انها لم تعد ملكك لقد قدمت لك فلسفتك وأفكارك ما يكفي من المساعدة من أجل إنجاز اللوحة , وبهذا انهت مهمتها وانتهى دورها . واذا كان لهذه الافكار المزيد من الطاقة المبررة فعليها ان تقدم المساعدة الآن من أجل لوحة أخرى.هل يُعنى المتلقي بالاساس النظري لمشاهداته حين يقف أمام اللوحة , أم انه معنيٌ بالناتج النهائي بغض النظر عن المنعرجات والانعطافات والمطبات التي سلكها المسار الانجازي ؟ وهل من الممكن تبرير اللوحة منطقيا ؟ هل يقوّي الاساسُ النظري أو التنظيري من قدرتنا على رؤية ما هو مخفي ؟ ما دام ليس بمستطاع أي تنظير ان يغيير اللوحة باعتبارها معطى ً نهائيا وجاهزا كوجود فيزياوي من جهة , وبين كونها ـ أي اللوحة ـ ذات بعدين في الزمان غير مستنفذة التأويل من الجهة الاخرى ؟تطرح الخطوط الفكرية والتشكيلية , التي توازي بعضها البعض , لدى الفنان التشكيلي الفرد وكما العلاقة بينهما الكثير من الاسئلة ولا تعطي جوابا واحدا.سيبقى الجواب على هذا السؤال حتى إشعار آخر موضع خلاف . ففي الكتاب الذي ترجمه الاستاذ فخري خليل والصادر عن دار الشؤون الثقافية في التسعينات ، ( الفن الحديث كيف نتذوقه ) يطرح المؤلف طريقة حسابية تقرب من الرياضيات من أجل ارشادنا الى الوسيلة التي تجعلنا نتذوق الفن الحديث ! لقد دخل الناقد أو المؤرخ التشكيلي بين اللوحة والمشاهد باعتباره وصيا : " حذارِ ! ليس بمستطاعك ان تتذوق أو ان تعجب بهذا العمل ، أنا الذي سأقول لك بم تعجب " لقد مثل هذا تطورا خطيرا في الفن التشكيلي ، حيث يصار وخصوصا في المجتمع المؤسساتي الرأسمالي الى تصنيع وإعادة تصنيع الذوق العام .( يقول ماكيز في خريف البطريرك ان البطريرك اُعلن ، بموجب مرسوم ، ان الكاتدرائية التي في بلده هي أجمل كاتدرائية في العالم) .ان القدرة النظرية هي سلاح ذو حدين فالتبريرات النظرية بامكانها ان تبرر عملا لا يمكن تبريره الا لغويا , وليس تشكيليا باية حال من الاحوال , وهذا هو بالتحديد مأزق النقد التشيكيلي والموسيقي فان على الناقد ان يحول خطابا إبداعيا بصريا او صوتيا الى كلام منثور.هل ينبغي للمشاهد ان يقرأ ما يكتبه الفنان بعناية قبل أن يهم بمشاهدة اعمالة أو زيارة معرضه ؟ ان ما قام به بول كلي وكاندنسكي وماتيس وآخرون هو تبرير تاريخي أمام الآخرمن أجل التنكر المبرر لتاريخ الفن المكرور حتى تلك اللحظة . فاذا كانت الواقعية بكافة اشكالها وتغريباتها ـ انظر الجزء الثاني من هذه الدراسة والمعنون : الواقعية العراقية ـ قد أوجدت معيارا في العلاقة مع الموديل الموجود موضوعيا أي مستقلا عن اللوحة طارحة شكلا من اشكال المقارنة الآلية مع شئ قابل للاقتفاء , فان الفن الحديث ليس بوسعه ان يجد له معيارا سوى معيار العقل والتبرير المنطقي والتوازن ببعد نسبي عن الحسيات المجردة , ولكن ليس دائما بدونها.ان هذه النقطة ذات اشكالية حقيقية ، فاذا كان العلم يسعى الى هدف يقوم على الكشف عن الظواهر الموجودة موضوعيا وإستنباط قوانينها وتسخيرها ، أي انه يسعى الى هدف مركزي يكاد الذاتي فيه أن يكون معدوما ، الا باعتباره اداة الكشف , كما عرضنا في احدى حلقات هذه الدراسة , فان الفن هو إنجاز ذاتي ، بمعنى إنه طريقة فردية وشخصية في إقامة علاقة ذات نسق ما . لذا فان المعايير الموضوعية ـ الموضوعي هنا هو اللاذاتي ـ للحكم على الفن تكاد تكون معدومة ، انها معايير ذاتية تتوافق أو لاتتوافق مع طرق الرؤية والتذوق التي تشكلت تاريخيا ، فعلى خلاف العلم الذي يُختبر في التجريب ، لايوجد أي معيار تجريبي للفن ، وتؤدي التجارب العلمية الى نتائج خاطئة أو صائبة , ولكن الخطأ والصواب غير موجودين في قاموس التقييم التشكيلي . ان فيه الأصيل أو المكرور الثوري أو المحافظ الجميل وغير الجميل , لكن ليس فيه الخطأ والصواب , هذه هي خصوصية الفن بمجمله.لن تستطيع أكثر الكتب فصاحة ان تغير ادنى نأمة في المنجز التشكيلي , لأنة ساعة عرضه أنما يكون معطى نهائيا وثابتا , ولكن الحديث ـ أي الكلام المنثور أو الشعري ... ألخ يمكن أن يسلط ضوءا على ما هو موجود أصلا من اجل التأويل والتوضيح واعادة التأويل والتوضيح الى ما لايحصى من المرات .وتبقى الكثير من الجوانب الاخرى التي تطرقنا الى جزء منها عرضا في الحلقات السابقة من هذه الدراسة ، والتي ترى أن الوعي والثقافة لا يلعبان بالضرورة دورا في الاداء التشكيلي , والا لكانت صناعة الفنانين من اسهل الصناعات . ويلعب الوعي البسيط والثقافة المبسطة أحيانا ، كما دل تاريخ الفن التشكيلي نفسه , دورا إيجابيا في شحذ الاحاسيس والتركيز على الملكة التشكيلية دون غيرها , ولا أحد يستطيع ان يقول إطلاقا ان اكثر الفنانين جودة واعظمهم دورا في تاريخ الفن هو بالضرورة اكثرهم وعيا وثقافة , بل ان التكوين الفسلجي والسايكولوجي للفنان هو تكوين معقد يلعب فيه الوعي والثقافة دورا جزئيا , ولعل من ابسط الامثلة التي بالامكان ان نسوقها , هو ان الكثير من الشعراء لايحسنون الكلام وكثير آخر منهم لايعرف حتى قواعد اللغة , بينما على الجانب الآخر لا يستطيع الكثيرون من الذين يحسنون الحديث ويعرفون قواعد اللغة أن ينظموا بيتا شعريا واحدا .ولكنني اتجنب تحميل اللوحة الكثير من الرموز حد الاغراق , فحين كتب الكثيرون من النقاد والمشاهدين عن المغزى الرمزي للبقرة في لوحة الكورنيكا , قال بيكاسو : ان البقرة الموجودة في اللوحة هي بقرة . هكذا بكل بساطة . ان تسعين بالمائة من النقاد يعيشون على كتابة اشياء لاتنتمي الى اللوحة وفي اغراقات في التفسير والطرق المتلوية في الحديث و التي يلوون بها عنق اللوحة لاستنطاقاها بما لاتقول ( المسكينة ) , ويصمت كثير من الفنانين على ذلك صمتا تآمريا أو تواطئيا على هذا الاغتصاب المشين , ظنا منهم ان هذا يخدمهم , ولو جرى الحديث عن اللوحة نفسها دائما دون استعمالها كمثير للتداعيات الشخصية الذاتية التفريغية( للناقد) أو من أجل استعراض العضلات المعرفية كما يفعل آخرون , لترتب على هؤلاء ان يبحثوا عن عمل آخر أو يصبحوا عاطلين عن العملخاتمةان اسماءا مثل : نزيهة رشيد ، نزيهة سليم ، رؤيا رؤوف ، نضال الأغا ، عشتار جميل حمودي ، مهين الصراف ، بهيجة الحكيم وأخريات لم يتم التطرق لهن بالتفصيل لاسباب تتعلق بمحدودية المجال وعدم توفر الوثائق الكافية واللوحات بشكل خاص , ان أسماءا مثل هذه تستحق بجدارة الاشارة والاشادة . واذا ما قدر لهذه الحلقات أن تتحول الى عمل مطبوع , و هذا ما أنوي القيام به , فأنني سأعمل ما بوسعي على ان يكون شاملا قدر المستطاع مع تحليل وافٍ للأعمال الفنية . الى كل هؤلاء الفنانات والى الأخريات من اللواتي لم ترد أسماؤهم , كما الى جميع الفنانين التشكيلين الذين لاتتوفر لديهم صفحات خاصة على شبكة الانترنت , أرجو ارشادي الى الطريقة التي استطيع بها الوصول الى أعمالهم وصور لوحاتهم , أو ارسال صور اللوحات وأية معلومات ضرورية عن الفنان على عنواني المدون في نهاية الموضوع , مع الشكر الجزيل مقدما .
منير العبيدي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق